منوعات

قالت ابنتي إن شقيقها الأكبر لمسها ج 2

4 كنت أسمع دقات قلبي تتردد داخل رأسي. كأنها طبول حـ,ـرب لا تتوقف. أما علي… فلم ينطق بكلمة واحدة. واصلت زهراء حديثها بين شهقات البكاء. وقالت: “أبي أخبرني أنك لست ابنه الحقيقي.” شعرت ببرودة تسري في أطرافي. وأضافت وهي ترتجف: “قال لي إن أمي تحبك أكثر مني.” “وقال إنك إذا غادرت البيت فلن يبقى عندها أحد غيري.” “وإنها ستحبني أنا فقط.” انهمرت دموعها أكثر. وقالت: “كنت خائفة.” “وبعدها لم أستطع قول الحقيقة.” “الجميع كانوا يكرهونك.”

“وكنت أخشى أنه إذا اعترفت، سيكرهونني أنا أيضًا.” شحُب وجه حيدر فجأة. وقال بصوت متوتر: “إنها تهذي.” استدار علي نحوه ببطء. ولم يرفع صوته. ولم يغـ,ـضب. بل قال بهدوء مخيف: “لقد ضـ,ـربتني.” حاول حيدر أن يثبت نظره في عينيه. لكنه فشل. فأكمل علي: “وأنت…” ثم التفت نحوي. 5 “كنتِ تشاهدينني وأنا أطلب منكِ المساعدة.” شعرت بأن قلبي يتمزق.. مددت يدي نحوه دون وعي. أردت لمسه.أردت أن أقول أي شيء. أي شيء. لكنه تراجع خطوة إلى الخلف.

وقال: “لا.” كانت تلك الكلمة أشد إيلامًا من أي صراخ. أما زهراء فكانت تـ,ــبكي فوق السرير. وقالت بصوت متهالك: “أنا لا أطلب منك التبرع بكليتك.” “ليس من حقي أن أطلب ذلك.” “كنت فقط أريد أن أقول الحقيقة قبل أن أمـ,ـوت.” أغمض علي عينيه لثانية واحدة فقط وظننت أنه سينهار.وظننت أن ذلك الجدار الذي بناه حول نفسه سيتصدع أخيرًا. لكنه فتح عينيه من جديد.وعندها أدركت أن الفتى الذي طردناه من المنزل قد اخـ,ـتفى منذ زمن. كان يقف أمامنا رجل آخر.رجل عاش وحده.ونجا وحده.وبنى نفسه بعيدًا عنا.

قال بهدوء: “لا تنتظروا مني شيئًا آخر.” ثم استدار وغادر.ركضت خلفه في الممر..وأنا أصرخ: “علي… أرجوك.” لكنه واصل السير. قلت:.”علي… زهراء تمـ,ـوت.” توقف.ثم استدار نحوي..وقال: “وعندما كنت أنا في الشارع…” “ماذا قلتِ أنتِ؟” عجزت عن الكلام.ولم أجد جوابًا. فأجاب هو بدلًا مني: “لم تقولي شيئًا.” ثم رحل. في تلك الليلة… وبدافع اليأس. ارتكبت أسوأ خـ,ـطأ في حياتي. نشرت اسمه الكامل على مواقع التواصل الاجتماعي. ونشرت صورة قديمة له أثناء إحدى حفلات التكريم وكتبت أن أخته تصارع المـ,ـوت.

وأن الفحوصات أثبتت أنه متوافق معها طبيًا. لكنني لم أذكر أنه بريء. ولم أذكر أننا طردناه من المنزل وهو ينزف. ولم أذكر اعتراف زهراء. لم أذكر شيئًا من الحقيقة. نشرت فقط الجزء الذي يخدمني. الجزء الذي يجعل الناس يقفون إلى جانبي. وخلال ساعات قليلة فقط… انتشر المنشور بشكل هائل. آلاف التعليقات. ومئات آلاف المشاركات. أشخاص يصفونه بالقسوة. وآخرون يتوسلون إليه أن يتبرع. وكثيرون يكتبون أن الأخ الحقيقي لا يترك أخته تمـ,ـوت. ثم… نشر علي مقطع فيديو.

6 كان يجلس في غرفة صغيرة. وخلفه جدار رمادي بسيط. بدا متعبًا. لكن هادئًا بشكل مخيف. نظر إلى الكاميرا وقال: “اسمي علي.” “وقد قامت والدتي بنشر اسمي على الإنترنت للضغط عليّ حتى أتبرع بكليتي.” “لكن هناك جزءًا من القصة لم تخبركم به.” ثم بدأ يروي كل شيء. الاتهام. والضرب. وليلة الطرد. وأكياس الملابس الملقاة خارج المنزل. والباب المغلق في وجهه. ثم كرر العبارة التي قالها له حيدر تلك الليلة: “بالنسبة لنا… أنت ميت.” شعرت بالغثيان وأنا أستمع.

لكن الكارثة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد. فجأة شغّل تسجيلًا صوتيًا. ولم أكن أعلم أصلًا بوجوده. في ليلة طرده… سقط هاتفه أسفل إحدى الطاولات. واستمر في التسجيل لساعات. بدأ الصوت يُسمع بوضوح. بكاء علي. وصراخ حيدر. والشتائم. والاتهامات. ثم سُمعت أنا. بصوت بارد وجاف. أقول كلمة واحدة: “اخرج.” أغلقت عيني. لكن التسجيل استمر. ثم جاء الصوت الذي دمّر ما تبقى مني. صوت زهراء الصغيرة وهي تـ,ـبكي في المطبخ. تقول: “أبي… لا أريد أن أقول ذلك بعد الآن.”

وجاء رد حيدر مباشرة: “إذا تراجعتِ الآن…” “فسوف تكرهك أمك.” سقط هاتفي من يدي. وشعرت بأن العالم ينهار فوق رأسي. لكن الفيديو لم ينتهِ. عاد علي لينظر إلى الكاميرا. وقال: “أنا لا أكره زهراء.” “كانت طفلة تم التلاعب بها.” “لكن جسدي ليس ملكًا للعائلة التي دمرت حياتي.” “ولن أتبرع بعضو من أعضائي مقابل الحصول على غفرانهم.” ثم صمت لحظة. وأكمل: “أطلب من والدتي أن تحذف اسمي من الإنترنت.” “لقد أخذت مني منزلي.” “وأخذت دراستي.” “وأخذت عائلتي.”

“فلا تسلبي مني راحتي أيضًا.” وخلال دقائق… تحولتُ إلى أكثر امرأة مكروهة في البلاد. وربما كانوا محقين. ليس بالطريقة الوحشية التي يحكم بها الناس عبر الإنترنت. لكن بالطريقة الأهم. الطريقة التي لا يمكن الهروب منها. لقد استخدمت ابني مرتين. في المرة الأولى… ضحيت به لأقنع نفسي أنني أحمي زهراء. وفي المرة الثانية… كشفت اسمه أمام الجميع لأجبره على إنقاذها. 7 وبينما كان هاتفي يمتلئ بالإهانات والشتائم من كل اتجاه… بدأت إشارات جهاز مراقبة زهراء بالانخـ,ـفاض.

تحول صوت الأجهزة إلى إنذارات متلاحقة. وفجأة اندفع الأطباء والممرضون إلى الغرفة. أُخرجتُ إلى الخارج. وأُغلق الباب في وجهي. وبقيت واقفة في الممر. أراقب ذلك الباب وكأن حياتي كلها معلقة خلفه. كان حيدر يقف إلى جوار الحائط. شاحب الوجه. يتصبب عرقًا. ثم قال فجأة: “هذا كله بسبب علي.” التفتُّ إليه. ولأول مرة منذ زواجنا… صفعته بكل ما أملك من قوة. لم أصفعه كزوجة. ولم أصفعه كأم. بل كإنسانة استيقظت أخيرًا من كذبة عاشت داخلها سنوات طويلة.

قلت له بصوت مرتجف: “لا تذكر اسمه مرة أخرى.” نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالكراهية. وقال: “وأنتِ أيضًا فعلتِ ذلك.” أغمضت عيني للحظة. ثم أجبته: “نعم.” “وأنا سأعيش بقية عمري أحمل هذا الذنب.” “لكن أنت من بدأ كل شيء.” في تلك الليلة نفسها… أدليت بكل ما أعرفه. طلبت مقابلة الأخصائية الاجتماعية في المستشفى. وطلبت المساعدة القانونية. وأخبرتهم بكل شيء. ما قالته زهراء. وما فعله حيدر. وما سمحتُ أنا بحدوثه. سلّمتهم تسجيل علي. والفيديو الذي نشره. والرسائل.

وحتى المنشور الذي كتبته بنفسي. لم أفعل ذلك بدافع الشجاعة. ولم أفعله لأنني إنسانة جيدة. بل لأن جميع الأكاذيب التي كنت أختبئ خلفها قد انهارت. ولم يعد هناك مكان أهرب إليه. نجت زهراء من تلك الأزمة. لكن حالتها بقيت حرجة. وبعد أيام… عندما استعادت وعيها بالكامل. جلست بجوارها. وأخبرتها بالحقيقة. قلت لها إن علي لن يتبرع بكليته. أغلقت عينيها ببطء. ثم قالت: “من حقه.” قلت بصوت خـ,ـافت: “زهراء…” فقاطعتني فورًا. وقالت: “لا تحاولي الدفاع عني في هذا الأمر يا أمي.”

“ليس هذه المرة.” كانت في الحادية عشرة من عمرها. لكن الذنب الذي تحمله كان أكبر من أن يحتمله جسد طفلة. بعد يومين… طلبت مني هاتفًا. وقالت إنها تريد تسجيل رسالة. رسالة لعلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى