منوعات

قالت ابنتي إن شقيقها الأكبر لمسها ج 3

8 لم ننشرها على الإنترنت. ولم يطلع عليها أحد. أرسلناها إليه فقط. نظرت زهراء إلى الكاميرا. وكان صوتها ضعيفًا ومتقطعًا. وقالت: “علي…” “لقد كـ,ـذبت.” “أنت لم تؤذني أبدًا.” “ولم تلمسني يومًا.” “أبي هو من طلب مني أن أقول تلك الأشياء.” “وأمي صدقتني دون أن تمنحك فرصة للدفاع عن نفسك.” توقفت للحظة. ثم انهمرت دمـ,ـوعها. وأكملت: “كنت خائفة.” “لكن خوفي لا يعيد إليك ما خـ,ـسرته.” “ولا يصلح ما فعلته بك.” “أنا لا أطلب كليتك.” “ولا أطلب منك العودة.”

“أريد فقط أن تعرف الحقيقة.” “أنت بريء.” أرسلنا الرسالة. وانتظرنا. لكن علي لم يرد. مر يوم كامل. ثم وصل إلى المستشفى تحويل مالي مجهول المصدر. يكفي لتغطية تكاليف جلسات غسيل الكلى لأسبوع كامل. وعندما نظرنا إلى بيانات التحويل… وجدنا جملة واحدة فقط. “من أجل زهراء.” “وليس من أجلكم.” عندها فقط… انهرت. لكنني لم أبكِ أمام زهراء. انتظرت حتى دخلت إلى دورة المياه. وجلست على الأرض الباردة. ثم بكيت كما لم أبكِ في حياتي. ذلك كان ابني.

الابن الذي تركته في الشارع. والابن الذي سلبناه بيته. ومستقبله. وعائلته. ومع ذلك… ما زال قادرًا على مساعدة أخته. دون أن يتخلى عن نفسه. ودون أن يسمح لنا باستغلاله مرة أخرى. في تلك اللحظة أدركت شيئًا لن أنساه ما حييت. علي كان أكثر نبلًا منا جميعًا. وأقوى منا جميعًا. وأفضل مني كأم… رغم أنني كنت والدته. 9 كانت الأسابيع التالية شديدة القسوة. تم استدعاء حيدر للتحقيق. في البداية أنكر كل شيء. أنكر ما قالته زهراء.

وأنكر التسجيل الصوتي. وأنكر أنه حرّضها على الكـ,ـذب. لكن التسجيل كان واضحًا أكثر مما ينبغي. ولم يترك له أي مساحة للإنكار. ومع استمرار التحقيقات… اعترف بما لم يتخيل أحد أنه سيعترف به. قال إنه كان يشعر بالغيرة من علي. وأنه لم يستطع يومًا أن يعتبره ابنه الحقيقي. وأن زهراء وحدها كانت عائلته الحقيقية. وكانت كل كلمة ينطق بها تدفعه أعمق نحو السـ,ـقوط. أما أنا… فقد أدليت بشهادتي أيضًا. لم أحاول تبرئة نفسي. ولم أطلب الشفقة من أحد.

اعترفت بما فعلته. وبما سمحت بحدوثه. وبكل مرة خذلت فيها ابني. لم يحتـ,ـضنني أحد. ولم يغفر لي أحد. ولم تغفر زهراء لنفسها كذلك. لكن للمرة الأولى منذ سنوات… كانت الحقيقة كلها على الطاولة. كاملة. عارية. مؤلمة. الحقيقة لم تُصلح عائلتنا. ولم تشفِ جراحنا. لكنها على الأقل أوقفت ذلك التعفن الذي كان ينهشنا من الداخل. بعد شهر تقريبًا… وفي الثالثة فجرًا. دخل أحد الأطباء إلى غرفتنا على عجل. وقال إن هناك احتمالًا جديدًا. تم العثور على متبرع مـ,ـتوفى حديثًا.

وليس علي. شخص غريب لا نعرفه. عائلة أخرى كانت تعيش ألمها الخاص. ومع ذلك وافقت على التبرع بأعضائه لإنقاذ آخرين. عندما سمعت زهراء الخبر… بكت. ثم سألت بصوت خـ,ـافت: “ليست من علي؟” أجبتها: “لا.” فغطت وجهها بكلتا يديها. وهمست: “الحمد لله.” استغرقت العملية ساعات طويلة. جلست خلالها أدعو الله. رغم أنني لم أعد أعرف إن كان لي حق في طلب أي شيء. لم أدعُ أن يعود علي إلينا. ولم أدعُ أن يسامحني. دعوت فقط أن يكون بخير.

أن يتناول طعامه في مكان دافئ. أن ينام مطمئنًا. ألا يتعرض للأذى بسبب ما فعلته به. ودعوت أن تنجو زهراء… دون أن يُجبر ابني على خـ,ـسارة جزء آخر من نفسه. ونجحت العملية. نجت زهراء. لكن الشفاء لم يأتِ دفعة واحدة. خرجت من المستشفى محاطة بالأدوية. وبندوب تركتها الجراحة. وجلسات علاج طويلة. ونظرة مخـ,ـتلفة تمامًا في عينيها. لم تعد تلك الطفلة المرحة التي كانت تملأ المنزل ضجيجًا وحياة. أصبحت فتاة تعرف حجم الكذبة التي يمكن أن تدمر حياة إنسان.

وتعرف أيضًا أن للصمت ثمنًا باهظًا. أما حيدر… فلم يعد إلى المنزل. بدأت إجراءات قانونية طويلة. وجلسات تحقيق. وشهادات. وأوامر قضائية. لم يكن أي شيء مثاليًا. ولم تنتهِ الفوضى بسرعة. لكن القناع الذي كان يرتديه بوصفه الأب الحامي سقط إلى الأبد. بعد ستة أشهر… وصلت رسالة من علي. أرسلها عن طريق محاميه. فتحتها وأنا أرتجف. 10 وكان نصها قصيرًا. لكنه كان أثقل من أي شيء قرأته في حياتي. قال فيها: “لا أرغب في أي تواصل مع حيدر.”

“ولا أرغب في أي تواصل مع مريم في الوقت الحالي.” “يمكن لزهراء أن تكتب لي رسالة واحدة كل عام إذا رأى معالجها النفسي أن ذلك مناسب.” “ولا أعد بالرد.” “ولا تستخدموا اسمي أو صورتي أو قصتي للتخفيف من شعوركم بالذنب.” “أنا على قيد الحياة.” “هذا كل ما في الأمر.” قرأت زهراء الرسالة مرتين. ثم طوتها بعناية شديدة. ووضعتها داخل صندوق صغير تحت سريرها. وظلت تنظر إليه للحظات. ثم همست: “إنه حي.” أومأت برأسي. وقلت: “نعم.”

سكتت قليلًا. ثم سألت: “ولن يعود، أليس كـ,ـذلك؟” شعرت بغصة في حلقي. لكنني لم أجد جوابًا. فالتفتت نحوي وقالت بهدوء يفوق عمرها بكثير: “لا بأس يا أمي.” “أحيانًا… إنقاذ نفسك يعني ألا تعود.” تجمدت في مكاني. كانت الكلمات خارجة من فم زهراء. لكنها بدت وكأنها جاءت من علي نفسه. وكأن ابني الذي فقدناه منذ عامين… كان يرسل إلينا آخر رسالة لن نفهمها إلا بعد فوات الأوان. مرّ عام كامل. وعادت زهراء إلى المدرسة. كان بعض الطلاب يعرفون ما حدث.

والبعض الآخر سمع أجزاءً من القصة فقط. لكنها لم تعد تختبئ خلف الأعذار. ولم تعد تحاول الهروب من الحقيقة. في إحدى المرات سمعتها تتحدث مع إحدى زميلاتها. سألتها الفتاة عن الشائعات التي انتشرت حول عائلتنا. فأجابت زهراء بهدوء: “لقد كذبت بشأن أخي.” “كنت طفلة تم التلاعب بها.” “لكن ذلك لا يمحو الضرر الذي تسببت به.” “وأحاول الآن أن أعيش بطريقة لا تدمر حياة أي شخص مرة أخرى.” وقفت أستمع إليها من بعيد. وشعرت بالألـ,ـم. ألم لا يمكن وصفه.

لكنني شعرت أيضًا بشيء آخر. بشيء يشبه الفخر. ليس بما حدث. ولا بما فعلناه. بل بشجاعتها في مواجهة الحقيقة دون أن تخفيها خلف الكلمات الجميلة. أما أنا… 11 فقد تعلمت بدوري أن أقول الحقيقة كاملة. عندما كان أحدهم يسألني عن علي… لم أعد أقول: “لا نعرف أين هو.” بل أصبحت أجيب: “ابني بريء.” “وهو على قيد الحياة.” “ومن حقه أن يبتعد عنا.” في البداية… كانت تلك الكلمات تحطم قلبي في كل مرة أنطق بها. لكن مع مرور الوقت…

أصبحت الشيء الوحيد الذي يساعدني على الاستمرار. لأنها كانت الشكل الوحيد من الحب الذي ما زال بإمكاني تقديمه له. أن أتركه وشأنه. ألا أطارده. ألا أطلب منه شيئًا.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى