
ومن بره الأوضة، جالي صوت أحمد وهو بيقول لأمه: – “سيبك منها.. أهلها م,,اتوا وملهاش ضهر تلجأ له، هتزعل يومين وتلاقوها جاية تبوس الأيادي.” قِفلت الستارة وضلمت الأوضة وقولت في الفون: – “تعالو الصبح ..انا خلاص وافقت ! قفلت التليفون وانا جوايا غيظ يغطي الدنيا بحالها مكنتش اتمنى اعمل كده ابدا بس هما اللي اجبروني واللي عملته خلاهم اتمنوا لو اتخرسوا ولا اهانوني بالشكل ده !!!!!!
مرت الليلة وأنا قفلة باب أوضتي عليا، وسامعة من وراه همساتهم وتريقتهم اللي مابتنتهيش. نمت لأول مرة من خمس سنين وأنا مش شايلة هم بكره، مش بفكر هصحي الساعة كام عشان ألحق أروق وأطبخ وأعمل حساب قرف كل واحد فيهم. الصبح صحيت على خبط رزع على الباب، وصوت أحمد الزاعق: – “ندى! اخلصي اقصري الشر واصحي، الساعة بقت تسعة والناس جايين على الساعة ستة المغرب، انزلي هاتي الحاجة من السوق عشان تلحقي تخلصي، وبلاش لوي دراع عشان ميزعلش مني.”
قمت بكل برود، فتحت الباب وكنت لابسة ومجهزة نفسي للخروج. بصلي باستغراب وقال:
– “كويس إنك لبستي، خدي الفيزا اهي وهاتي أحسن حاجة، مش عايز مظهرنا يبوظ قدام أهل عريس منة.” بصيت للفيزا وبصيت لوشه وابتسمت بسخرية: – “أنا خارجة مشوار خاص بيا أنا.. قولتلك امبارح كلمة وكلمتي واحدة، مش هطبخ لقمة في البيت ده، انزلوا هاتوا حاجتكم واطبخوا لنفسكم.” حم,,اتي طلعت من المطبخ وهي رابطة المريلة في وسطها وبتقول بغل: – “سيبك منها يا أحمد، مفكرة البيت هيقف عليها؟ أنا ومنة هنطبخ ونعمل أحسن أكل، خريجة المدارس دي فاكرة نفسها مفيش منها.. غوري في داهية يا ختي مطرح ما تروحي.”
نزلت وسيبتهم، وسبت ورايا بركان قلق هما بيحاولوا يداروه بالمكابرة. ركبت تاكسي ورحت للمكان اللي اتفقت عليه امبارح في التليفون. على العصر، رجعت الشقة. أول ما فتحت الباب، شميت ريحة شياط وقلبان في المطبخ. منة قاعدة في الصالة بتعيط ومكياجها باظ من العياط، وحم,,اتي قاعدة على الكرسي حاطة إيدها على ركبها وبتنهج، والحلل مقلوبة في المطبخ والأكل باظ ومظبطش معاهم خالص، لأنهم مبيعرفوش يعملوا حاجة لوحدهم وتعودوا على الجاهز اللي بعمله بالمسطرة.
أحمد كان واقف يزعق في التليفون مع مطعم كبير عشان يلحق يبعت أكل جاهز وعزومة كاملة في ساعتين، وطبعاً المطعم طلب رقم خيالي وأحمد وشه كان جايب ألوان وهو بيمليه بيانات الفيزا اللي اتفضت من كتر المصاريف. بصولي بغل وحقد لما شافوني داخلة رايقة ولابسة ونظيفة، ومفيش على وشي أي أثر للتعب. أحمد قرب مني وهو بيجز على سنانه: – “عاجبك الخراب والفضايح دي؟ دفعت تمن العزومة جاهزة الشيء الفلاني عشان الهانم تتدلع! ادخلي يلا غيري هدومك وساعدي أمي وأختي في رص السفرة وتظبيط البيت، الناس على وصول.”
دخلت أوضتي بكل هدوء وقفلت الباب ورايا، ومردتش عليه بكلمة واحدة. الساعة جت ستة، والجرس رن. دخل خطيب منة “طارق” ومعاه أبوه وأمه وأخته. استقبلوهم في الصالة بأحسن ترحيب، بس ملامح التوتر كانت باينة على أحمد وأمه. قعدوا يتكلموا ويضحكوا، وأحمد كل شوية يبص لـباب أوضتي وهو مرعوب لا أطلع وأبوظ المنظر العام اللي بيحاول يرسمه. فجأة، الأكل الجاهز وصل، وبدأت حم,,اتي ومنة يرصوا السفرة بسرعة وبشكل ملخبط. وفي وسط ما هما بيقعدوا الناس على السفرة عشان يتعشوا.. جرس الباب رن تاني!
أحمد استغرب وبص لأمه: – “هو في حد تاني جاي يا ماما؟” قالتله بجهل: – “لا يا ابني، مين هيكون جاي في وقت زي ده؟”
أحمد راح فتح الباب، وأول ما فتح، وشه اتقلب ١٨٠ درجة، ورجع خطوتين لورا وهو مش مصدق اللي شايفه!
دخل من الباب تلات رجالة هيبتهم تملى المكان، لابسين جلاليب صعيدي من قماش غالي جداً وعليهم عبايات فخمة، وباين عليهم العز والهيبة. في مقدمتهم كان “الحاج عبد الحميد” عمي الكبير، الراجل اللي أحمد كان فاكر إنه ماليش ضهر بسببه بعد وف,,اة أبويا، والي كنت رافضة زمان أبيع له نايبي في ورث أبويا من أراضي وبيوت في البلد، والنهارده الصبح بس وافقت وق,,بضت تمني كاش! عمي دخل الصالة بصوته الجهوري اللي هز الحيطان وقال: – “السلام عليكم يا آل عمران.”
أحمد وقف متنح ومش عارف ينطق، وحم,,اتي ومنة المعالق وقعت من إيديهم من الصدمة، وأهل العريس طارق بصوا لبعض باستغراب شديد من المنظر. عمي مالتفتش لأحمد اصلاً، وبص ناحية أوضتي ونده بصوت عالي: – “اخرجي يا ندى يا بنتي.. عمامك وقرايبك وصلوا عشان ياخدوا أمانة أبوكي الله يرحمه ونرجعك بيتك وسط عزك!” في اللحظة دي، باب أوضتي اتفتح، وخرجت وأنا جارة ورايا شنط هدومي كلها.. والشنطة الكبيرة اللي فيها دهبي وحاجتي.. وورا عمي ظهروا أربعة عمال شايلين حبال وصناديق، وجاهزين عشان يفضوا الشقة من كل عفش وجهاز أنا اللي جايباه بفلوسي وفلوس أبويا بالمليم!
أحمد اتقدم وهو بيترعش وبيداري كسوفه وفضيحته قدام نسابه الجداد: – “عمي.. يا حاج عبد الحميد.. إيه الكلام ده؟ وإيه الشنط دي يا ندى؟ احنا قدامنا ضيوف فضحتونا!” عمي عبد الحميد ضحك ضحكة قوية سمعت الشارع كله، وحط إيده على عصايته الأبنوس وبصله بنظرة احتقار خلت أحمد يتمنى الأرض تنشق وتبلعه.. وحم,,اتي وشها بقى زي الأموات لما شافت العمال داخلين يفكوا نجف الصالة..


