
وفي اللحظة دي، في أوضة المستشفى الباردة، والوجع بياكل في بطني وابني يفصلني عنه بابين بس.. بدأتركة الحقيقية قضيت بقية الليلة دي وعيني مش بتفارق السقف. كل ما أحاول أغمض عيني، أسمع صرخة يوسف وهو بيتشد من حض,,ني، وأفتكر نظرة وائل الباردة وهو واقف ومربع إيديه. الدموع اللي كانت بتنزل من عيني مكنتش دموع ضعف، كانت دموع ح,,رق دم، ن,,ار بتولع جوايا ومش هتنطفي غير لما أرجع حقي وحق ابني.
على الساعة سبعة الصبح، الباب اتفتح ودخلت مروة أختي. وشها كان مخطوف، وعينيها حمرا من قلة النوم. أول ما شافتني والشرشاطة اللي على شفتي وأكياس المحاليل، رمت الشنطة من إيدها وجريت عليا وهي بتعيط: “يا حبيبتي يا أميرة! إيه اللي عملوه فيكي ده؟ فين يوسف؟” حطيت إيدي على بوقها بسرعة وهمست بوجع: “وطي صوتك يا مروة.. المستشفى هنا حيطانها ليها ودان، وحم,,اتي ليها عيون في كل حتة. جبتِ اللي قلتلك عليه؟” فتحت شنطتها وطلعت ملف كبير:
“جبت كل حاجة.. عقود الشقة، صور البطاقات، والملف اللي كان في درج مكتبك. بس فهميني، المحامي اللي طلبتيه بره الأوضة ومستني إشارتك، هو أستاذ رأفت صاحب بابا الله يرحمه، راجل ثقة ومحملش هم السكوت.” أخدت نفس طويل، وضلوعي سمعت عليا في وجع رهيب: “دخليه فوراً.” دخل أستاذ رأفت، راجل وقور وشعره أبيض، في عينه نظرة حد شاف من بلاوي الدنيا كتير. قعد على الكرسي اللي جنب السر,,,ير وطلع نوتة صغيرة وقلم: “حمد لله على سلامتك يا بنتي. مروة حكتلي خطوط عريضة، بس أنا عايز أسمع منك إنتِ بالتفصيل.”
حكيتله كل حاجة.. من أول يوم وائل غصبني أسوق وأنا في الشهر التاسع، للح,,ادثة، للورق اللي مضاني عليه من أسبوعين تحت مسمى “الأمان”، لحد القلم اللي أخدته من ميرفت وخطفهم لـ يوسف. أستاذ رأفت كان بيسمع وهو بيهز رأسه ووشه بيقفل. لما خلصت، قال بصوت هادي وباتع:
“يا أميرة، الورق اللي مضيتِ عليه ده غالباً ‘إقرار وتفويض بالولاية التعليمية والطبية’، أو تنازل عن حضانة مشروط في حالة عدم الأهلية الطبية، مستغلين إنك كنتِ تعبانة. هما رتبوا لكل ده عشان الح,,ادثة تطلع خطأ منك إنتِ، فيثبتوا إنك ‘أم غير مسؤولة’ وعرضتِ حياة الجنين للخطر.. وبكده يستعملوا التوكيل والتقرير الطبي بتاع الح,,ادثة عشان يضموا الواد ليهم قانوناً.” سندت راسي لورا وحسيت بمرارة: “يعني هما كانوا بيخططوا لده من قبل ما أولد؟” أستاذ رأفت طبطب على إيدي:
“النوعية دي من البشر بتم,,وت في السيطرة. بس هما غلطوا غلطة عمرهم.. الغشم عماهم. القلم اللي أخدتيه قدام شهود، ونقل الولد غصب عنك، ده خيط أول الجريمة. إحنا مش هنعمل شوشرة دلوقتي. إنتِ لازم تخرجي من هنا على رجليكي الأول. القانون بياخد وقت، والوقت ده هما هيستغلوه ضدك لو حسوا إنك بتتحركي.” المواجهة الباردة على الضهر، الباب اتفتح ودخل وائل.. لوحده. مكنش شايل في إيده ورد، ولا حتى كيس فاكهة. دخل وإيديه في جيوبه، وبص لـ مروة بنظرة ضيق وقال:
“إيه ده؟ مروة هنا؟ كويس.. عشان تاخدي أختك وتريحونا شوية.” مروة كانت هتقوم تأكله بأسنانها، بس أنا مسكت إيدها وضغطت عليها جامد عشان تسكت. بصيت لـ وائل ورسمت على وشي أقصى درجات الانكسار والضعف.. الخطة كانت لازم تبدأ بالخديعة. قلتله بصوت مبحوح ودموع مصطنعة: “كدة يا وائل؟ بتهون عليك عشرة سنين؟ تاخدوا ابني مني؟” قرب من السر,,,ير وقعد على الطرف بثقة مفرطة:
“يا أميرة افهمي بقى ومتبقيش عقلة صغيرة. أمي خايفة على مصلحة الولد. إنتِ شوفتِ نفسك سوقتِ إزاي ودمرتِ العربية وكان زمان الواد م,,ات في بطنك؟ إنتِ محتاجة فترة نقاهة، والواد محتاج رعاية مش هتقدري عليها وحالتك النفسية والجسدية بالمنظر ده. إحنا نقلناه أوضة تانية خاصة في الدور العلوى، وأمي قاعدة معاه وبتابع مع دكتور خاص. لما تشدي حيلك.. هنبقى نشوف.” قلتله وأنا بشهق بالبكاء: “يعني مش هتحرمني منه يا وائل؟” ابتسم ابتسامة صفرا، وافتكر إن كبريائي اتهد:
“لا طبعاً يا حبيبتي، إحنا مش ظالمين. بس برضه، عشان الأمور تمشي سكة ودغري.. شقة أكتوبر اللي باسمك، لازم ننقل ملكيتها ليا كنوع من تأمين مستقبل يوسف، عشان أمي تطمن إنك شارية خاطر العيلة ومفيش بيننا أسرار.” في اللحظة دي، ثبتت عيني في عينه. الجشع كان عاير من عينيه هو وأمه. الشقة دي أنا طافحة الدم فيها بقالي سبع سنين شغل وشقا قبل ما أتجوزه حتى! هزيت راسي بالموافقة الشديدة: “حاضر يا وائل.. اللي تشوفه. بس أرجوك، خليني أشوفه.. خليني أرضعه، ده لسه مولود وص,,دره محتاجني.”
وقف وقال وهو رايح ناحية الباب: “هفكر.. هشوف أمي الأول هتقول إيه. ارتاحي إنتِ دلوقتي.” أول ما قفل الباب، مسحت دموعي في ثانية. لفت لـ مروة وقلت لها: “سمعتِ؟ الشقة! هما مش عايزين الواد بس، هما عايزين يكلوني لحم ويرموني عضم. أستاذ رأفت قال إيه؟” مروة طلعت موبايلها: “أستاذ رأفت كان مشغل التسجيل على تليفوني من تحت الشنطة وهو سامع كل كلمة.. طلب الشقة مقابل رؤية الابن ده اسمه ‘ابتزاز وتهديد واستغلال حالة مرضية’، وده هينفعنا جداً في المحضر.”
الهروب من الزنزانة البيضاء مر يومين كمان. رجلي بدأت تستجيب للعلاج الطبيعي، والوجع بقى مقدور عليه بالمسكنات. كنت بقوم وبمشي في الأطرقة بتاعة المستشفى بالراحة بالليل، من غير ما حد يحس بيا. في ليلة اليوم الثالث، الساعة كانت واحدة بعد نص الليل. المستشفى هادية جداً، ومفيش غير صوت الأجهزة وصوت خطوات خفيفة بره. الباب اتفتح بالراحة، ودخلت آية، الممرضة الرقيقة. وشها كان شاحب وبتترعش. جت جمبي وهمست:
“أستاذة أميرة.. إنتِ لازم تتصرفي. أنا سمعت حم,,اتك وجوزك بره مع دكتور النبطشية.. بيجهزوا ورق خروج للطفل بكره الصبح الساعة تمانية! وهيخدوه على بيتهم في المحلة الكبرى، وهيمضوكي على إقرار خروج طبي وعزل منزلي ليكي إنتِ كمان بس في مكان تاني!” قلبي دق زي الطبل: “بكره الصبح؟ يعني خلاص ناويين يهربوا بيه؟” آية هزت راسها: “حم,,اتك دفعت فلوس كتير للدكتور ده عشان يسهل الإجراءات وميطلبش توقيعك. وأنا مش هقدر أسكت أكتر من كدة.. أنا صورتلك تذكرة الولد الطبية والتقرير الحقيقي للح,,ادثة اللي وائل حاول يغيره بتقرير تاني بيقول إنك كنتِ تحت تأثير مهدئات!”
أخدت منها الفلاشة الصغيرة اللي حطت عليها الصور، ودموعي نزلت: “أنا مش هنسالك الجميل ده يا آية طول عمري.” قالتلي وهي بتعدل المحلول: “ادعيلي بس.. واخرجي من هنا بابنك، الست دي معندهاش قلب.” اتصلت بـ مروة وأستاذ رأفت فوراً. مكنش فيه وقت للتردد. الساعة اتنين بالليل، أستاذ رأفت قالي كلمة واحدة: “الخطة ‘ب’ هتنزل تتنفذ حالا. أختك جاية ومعاها القوة.” كمين الفجر الساعة خمسة الفجر.. الوقت اللي الدنيا كلها بتكون فيه غرقانة في النوم. كنت غيرت هدوم المستشفى ولبست عباية سودا واسعة وطرحة. رجلي كانت بتوجعني مع كل خطوة، بس وجع قلبي على ابني كان مخليني زي الحديد.
نزلت السلالم الخلفية بالراحة لحد ما وصلت للدور التاني.. دور المبتسرين والغرف الخاصة. وقفت قدام غرفة رقم ٢٠٤.. الغرفة اللي آية قالتلي إن يوسف فيها. فتحت الباب بالراحة.. الأوضة كانت دافية، وفيها سر,,,ير صغير هزاز، وجنبه كنبية مفرودة، نايمة عليها ميرفت وبتشخر بصوت عالي، والشنط بتاعتها متقفلين وجاهزين جنب الباب. قربت من السر,,,ير الهزاز بخطوات زي القط تلمس الأرض وتترفع. بصيت جوه.. كان هو. حتة لحمة حمرا، نايم وصباعه الصغير جوه بوقه. دموعي نزلت غصب عني. مديت إيدي بالراحة الشديدة، ورفعته لص,,دري. أول ما شم ريتحي، سكت وعمل صوت خفيف بوقه واستكان.
ضمتيه ليا بكل قوتي، وكنت لسه هلف عشان أخرج.. فجأة، صوت شخير ميرفت انقطع! اتقلبت على السر,,,ير، وفتحت عينيها.. وفي ثانية، عينيها جت في عيني! قامت زي المجنونة، وشعرها منكوش، وزعقت بصوت مكتوم وهي بتجري عليا: “إنتي بتعملي إيه هنا يا مقصوفة الرقبة؟! سيبي الواد!” وقفت بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وضمت يوسف بإيد واحدة، والإيد التانية رفعتها في وشها: “صوتك لو علي.. هخلي المستشفى كلها تتفرج عليكي يا ميرفت.” ضحكت بسخرية وغل: “تفرجي مين يا روح أمك؟ إنتي فاكرة نفسك ليكي صوت هنا؟ وائل بره في العربية معاه ورق رسمي يوديكي ورا الشمس! والواد ده مش هتشوفيه تاني!”
مدت إيدها عشان تشد الولد مني تاني.. بس في اللحظة دي بالذات، الباب اترزع واتفتح لآخرة! دخل أستاذ رأفت، ووراه اتنين أمناء شرطة بملابس رسمية، ومعاهم مروة أختي اللي كانت ماسكة تليفونها وبتصوّر لايف! ميرفت اتسمرت في مكانها، وإيدها فضلت متعلقة في الهوا. وشها اتقلب ألوان: “إيه ده؟ إنتوا مين؟ إزاي تدخلوا هنا كدة؟” تقدم أستاذ رأفت بكل هيبة وطلع كارنيه النقابة والورق: “معانا أمر من النيابة العامة بإثبات حالة امتناع وتسليم طفل لأمه، ومحضر اتهام بالخطف والابتزاز وتزوير تقارير طبية ضدك وضد ابنك وائل اللي مقبوض عليه حالا بره المستشفى وهو في العربية وبحوزته تقارير مزورة!”
ميرفت رجليها خابت وقعدت على السر,,,ير وهي بتترعش: “وائل؟ مقبوض عليه؟ إنتوا بتتبلوا علينا! ده ابننا!” أمير الشرطة تقدم وقال بلهجة حاسمة: “اتفضلي معانا يا ست ومن غير شوشرة في المستشفى، البلاغ مقدم من الأم وبشهادة طاقم التمريض اللي أثبت واقعة الاعت,,داء والس,,رقة بالإكراه داخل الحرم الطبي. اتحركي!” النصر والبدء من جديد بصيت لـ ميرفت وهي بتتكلبش وبيخدوها بره الأوضة، وعينيها مليانة رعب مكنتش هشوفه فيها أبداً لو كنت فضلت الست الضعيفة المستسلمة. خرجت من المستشفى وأنا شيل يوسف في حض,,ني، الشمس كانت لسه بتطلع، بتعلن عن يوم جديد.. وعن حياة جديدة.
وائل كان واقف جنب بوكس الشرطة، وشه في الأرض، وأول ما عينه جت في عيني، شفت الكسرة والخوف في ملامحه. مكنش قادر حتى يبصلي. ركبت العربية مع مروة وأستاذ رأفت، وحطيت يوسف على ص,,دري وبدأت أرضعه لأول مرة وهو بيشرب بأمان. أستاذ رأفت لف ليا وقال وهو يبتسم: “كدة الجولة الأولى خلصت بض,,ربة قاضية يا أميرة.. الشقة في أمان، والواد في حض,,نك، والقضية مضمونة ١٠٠٪. تفتكري هيحاولوا يلعبوا تاني؟” بصيت لابني وقلت بثقة ومفيش في قلبي ذرة خوف:
“يلعبوا زي ما هما عايزين.. أميرة القديمة م,,اتت في الح,,ادثة، واللي واقفة قدامهم دلوقتي دي أم.. ومفيش أم في الدنيا بتسيب حق ابنها!”