
وقعت الكلمة على وداني ومسمعتش بعدها حاجة.. حسيت بصوت صفير عالي في دماغي، والحيطان بدأت تضيق عليا لحد ما بقيت مش قادر أخد نفسي. 300 ألف دولار.. شقى سنين، غُربة، طحن، حرمان، وشك عيشته لمراتي.. كله طار في الهوا عشان “أخويا الكبير”! أمي كانت بتعيط وتترجاني، وبتقول كلام مكنتش قادر أجمعه: “يا ابني ده أخوك.. كان هيتسجــ,,ـــــن.. عرضه كان هيتشحن في المحاكم.. قلت شقاك هيرجع.. أخوك هيقف على رجله ويردلك كل مليم..”
قمت وقفت وأنا مش شايف قدامي، ضحكت بوجع وصرخت بصوت هز البيت: “يرجع إيه؟! يرجع منين؟! ده أخويا اللي طول عمره فاشل ومبيعرفش يمسك قرش! بقى تآمنيه هو على فلوسي وتضيعيني أنا؟ ده أنا كنت ببعتلك الفلوس عشان خايف من مراتي.. تطلعي إنتي اللي ضيعتيني يا أمي؟!” أمي غطت وشها وفضلت تدعي وتعيط، مكنش فيه فايدة للكلام. سبت البيت ونزلت أجر رجلي في شوارع طنطا.. الشوارع اللي كبرت فيها وأنا بسمع تحذيرات أمي من الستات والأمان. كنت ماشي زي المجنون، الناس تبص لي وأنا مش هنا.. شريط حياتي كله بيتعاد قدام عيني..
افتكرت كل شهر كنت بخصم فيه من قوتنا أنا وأسماء عشان أبعت لطنطا. افتكرت أسماء وهي بتطلب حساب مشترك عشان نأمن مستقبلنا وأنا بصدها ببرود وشك. افتكرت نظرتها الأخيرة وجملتها: “بكرة تعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.” يا الله.. السور طلع فعلاً من رمل.. وانهار فوق دماغي أنا! ركبت العربية ورجعت على القاهرة.. الطريق كله كنت بتمــ,,ـــــوت في كل ثانية مية مرة. وصلت شقتنا في عين شمس بالليل.. فتحت الباب بالراحة، كانت الشقة هادية، وريحة بخور خفيف مالية المكان.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه.
دخلت الصالة، لقيت أسماء قاعدة في البلكونة وسط زرعها.. كانت ماسكة الدفتر الصغير وبتكتب بخطها المنظم. أول ما شافتني، اتخضت وقامت وقفت.. ملامحها اتغيرت من المفاجأة، بس لما قربت مني وشافت وشي، الخضة اتقلبت لقلق حقيقي. وشي كان أصفر، وعيني دم، وهدومي متبهدلة.. كنت شبه واحد طالع من دــ,,ـــــادثة بمــ,,ـــــوتة. جرت عليا ومسكت إيدي بلهفة: “أحمد؟! في إيه يا حبيبي؟ إنت جيت إمتى؟ ومفركش كدة ليه؟ فيك إيه.. إنت تعبان؟!” بصيت في عينيها.. العين اللي كنت دايماً بدور فيها على الشك والخيانة.. ملقتش فيها غير خوف حقيقي ونقي عليا. الخوف اللي عمري ما شفته في عيون حد تاني.
نزلت على ركبي قدامها وانفجرت في العياط.. عياط راجل انكسر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أسماء اتخضت زيادة ونزلت الأرض معايا، أخدتني في حــ,,ـــــضنها وفضلت تطبطب عليا وتهديني وهي مش فاهمة حاجة، بس كانت الطوق الوحيد اللي فاضل لي في الدنيا.بعد ساعات، لما هديت خالص، قعدنا في الصالة.. وبدأت أحكي لها. حكيت لها عن كل مليم بعته لطنطا، عن الـ 300 ألف دولار، عن شكي فيها من أول يوم جواز، وعن اللي أمي عملته وأخويا اللي ضيع كل حاجة. كنت بتكلم وأنا منكس عيني في الأرض، مستني منها تصرخ، تشتمني، تشمت فيا، أو تقولي “تستاهل”..
كان من حقها تعمل أي حاجة. لكن أسماء فضلت ساكتة.. سكوت طويل وقاتل.. لحد ما قامت ودخلت الأوضة. قفلت الباب وراها، وأنا قعدت مكاني.. مستني حكم الإعدام. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو مرت نص ساعة وكأنها دهر.. كنت قاعد على الكنبة، حاطط راسي بين إيدي، والسكوت في الشقة بقى يمرض. كنت مستنيها تطلع بشنطة هدومها وتقولي “كل شيء قسمة ونصيب”، أو على الأقل تصرخ في وشي وتغسلني من جوايا باللوم اللي أستاهله.
لكن الباب اتفتح، وخرجت أسماء. مكنتش شايلة شنطة هدوم.. كانت شايلة في إيدها الدفتر الصغير بتاعها، اللي بتسجل فيه كل حاجة، ومعاه علبة قطيفة قديمة ممسوحة الأطراف. قربت مني وقعدت على الكنبة اللي قصادي، حطت الدفتر والعلبة على الترابيزة وبصت لي بهدوء غريب.. هدوء الأحرار اللي معندهمش حاجة يخافوا عليها. فتحت العلبة القطيفة، وبصت لي وقالت: “دي غوشتين وخاتم.. ده كل اللي ورثته من أمي الله يرحمها، وده كل الدهب اللي حيلتي في الدنيا.”
وبعدين فتحت الدفتر الصغير، وقلبت في الصفحات لحد ما وقفت عند صفحة معينة، لفت الدفتر ناحيتي عشان أشوفه.. لقيت خانات مكتوبة بخطها المرتب، ومكتوب فوق: **”حساب شقة المستقبل”**. كانت كاتب الأرقام بالمليم.. مبالغ صغيرة متجمعة جنب بعضها على مدار سنين.. 500 جنيه.. 1000 جنيه.. مكافأة شغلها.. حرمانها من طقم جديد أو خروجة غالية.. كله كان متسجل هنا ومكتوب جنبه: *(لأحمد وعيلتنا)*. قالت والنبرة في صوتها مكسورة بس قوية:
“أنا طول العشر سنين اللي فاتوا، وأنا شيفاك بتدقق في كل قرش، وشايفاك حارم نفسك وحارمني من حاجات كتير، كنت بقول معلش.. أحمد شقيان، أحمد شايل هم بكرة، أحمد بيأمن عيالنا اللي لسه مجوش.. مكنتش أعرف إنك بتأمن نفسك ‘مني’ أنا!” بلعت ريقي وحاولت أتكلم: “أسماء.. أنا..”
قاطعتني بإيدها وكملت: “أنا مكنتش هطمع في فلوسك يا أحمد، ولا عمري طلبت منك شقة باسمي، ولا كان يفرق معايا نعيش في قصر أو في أوضة، أنا كان يفرق معايا الأمان.. الأمان اللي إنت رحت تدور عليه في طنطا، ودفعت تمنه من كرامتي ومن ثقتي فيك.. كنت بتبص لي وإنت فاكرني مستنية اللحظة اللي هسرقك فيها، في حين إن أنا كنت بحوش من وراك عشان لما تقع، أسندك.. كنت بجمع القرش على القرش عشان لما تزهق من الغربة، أقولك ارجع يا أحمد وإحنا معانا اللي يبدأنا من جديد.”نزلت دموعها فجأة، بس مسحتها بسرعة وقامت وقفت:
“الفلوس راحت.. وشقا عمرك ضاع لأنك بنيت بيتك على الشك، واللي يتبني على الشك بيقع مع أول هبة ريح.. أمك عملت كده لأنها أم، شافت ابنها الكبير بيضيع وفدت رقابته بفلوسك، وده اختيارها.. لكن إنت اختيارك كان غلط من الأول.” حطت إيدها على الدفتر والدهب وزقتهم ناحيتي: “دول معاك.. انزل بكرة بيع الدهب، وخد اللي في الدفتر.. دول يعملوا حوالي 200 ألف جنيه.. مش دولار طبعاً، وميجيبوش تمن ليلة من اللي عشتهم برة، بس دول اللي يقدروا يوقفوك على رجلك في بلدك لحد ما تشوف هتعمل إيه.”
بصيت للدهب وللدفتر، وحسيت إنهم نــ,,ـــــار هتحــ,,ـــــرق إيدي لو لمستهم. وقفت وقربت منها وأنا بترجاها: “أنا مش عايز فلوس يا أسماء.. أنا مش عايز غيرك، أنا عرفت قيمتك.. والدرس كان غالي أوي وكسرني، أرجوكي متسبنيش.” بصت لي بنظرة طويلة، مكنش فيها كره، بس كان فيها مسافة أبعد من بلاد الغربة اللي أنا كنت فيها.. وقالت كلمتها اللي خلت قلبي يقف:
“أنا مش هسيبك يا أحمد.. مش أسماء اللي تسيب جوزها وهو مكسور وضهره عريان في الشارع.. أنا هفضل معاك لحد ما تقف على رجلك وتشتغل وتتزن.. بس من النهاردة، إحنا شركاء في السكن.. لحد ما أشوف أنا هقدر أصدق عينك تاني إزاي.. ولحد ما أشوف الشك اللي عشعش في قلبك عشر سنين، هيتمحي إزاي في يوم وليلة.” سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب.. قعدت أنا في الصالة، باصص لل بلكونة وزرعها، وباصص للدفتر الصغير.. الفلوس راحت، بس الخسارة الأكبر كانت لسه بتبدأ.. رحلة استرداد الست اللي بعت الأمان عشان أحمي نفسي منها.