
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة وجع ممزوجة بسخرية: “الفلوس ملوحتش يا شريف، الفلوس راحت في المكان اللي هي عايزاه، عشان تضمن إن الحبل يفضل في رقبتك.. وفي رقبتي معاك. الجمعية اللي أنت قاطع قُوتك عشانها، اتقبضت واتصرفت من غير ما ترفع سماعة التليفون وتقولي ‘يا شريكتي إيه رأيك؟’” أنا مكنتش هعيط، ولا هصرخ، السكوت اللي نزل عليا كان أقوى من أي زلزال. لفت ضهري ومشيت، وهو بيجري ورايا في الشارع وينادي: “رانيا! استني بس رايحة فين؟ طيب تعالي نقعد في مكان نتكلم! أمي كلمتها هتمشي المرة دي عشان الفلوس اتدفعت، بس بعد الجواز هنستقل!”
وقفت وبصيت له لآخر مرة وقولتله: “أنا مروحة بيتنا يا شريف، ومش هكلمك ولا هكلم أمك، ولما تهدى كدة وتفوق من الصدمة.. فكر في حياتك، عشان حياتي أنا بدأت تتكتب من جديد من اللحظة دي.” وصلت بيتنا، دخلت أوضتي وقفتلت الباب. مكنش فيه وقت للدموع، كان فيه وقت للترتيب. فتحت الواتساب، لقيت رسالة حماتي هدى لسه منورة الشاشة بقائمة الأسعار وعبارتها المستفزة: *”ومش عايزة دلع ماسخ في الاختيارات.”*
أصابعها كانت فاكرة إنها بتمشي العرايس زي العرايس اللعبة، بس هي معرفتش رانيا كويس. خدت نفس طويل، وعملت “إعادة توجيه” لرسالة حماتي، وبعتّها على جروب العيلة الكبير، اللي فيه والدتي وأخواتي، وكتبت تحتيها الجملة دي: *”دي لستة الأسعار والشقة اللي طنط هدى اختارتها من ورايا، وبفلوس شريف اللي محجوز عليها بقالها شهور، والنهاردة الصبح قفلت الشقة اللي فوقيها من غير علمنا. أنا حبيت أعرفكم بس التدبير بيوصل لفين!”*
الجروب انقلب في ثواني، الموبايل م بطلش رن، مكالمات من أمي ومن أخويا الكبير “أحمد” اللي دمه حِمي وقالي: “هو فيه إيه يا رانيا؟ ومين دي اللي تفرض عليكي شقة وعفش؟ والراجل بتاعك فين من كل ده؟” قولت لأخويا: “أحمد، متعملش حاجة دلوقتي، أنا بس بعرفكم عشان لما شريف ييجي، تبقوا على نور.” يومين كاملين، وشريف بيحاول يكلمني، رسايل اعتذار، ورسايل رجاء، ورسايل تانية فيها نبرة لوم خفيفة: “أمي تعبت وضغطها عِلي لما لقت قرايبك بيكلموها يلوموها، ليه تكبري الموضوع يا رانيا؟”
مكنتش برد. كنت مستنية اللحظة اللي يدرك فيها إنه لازم يختار: يا إما يكون راجل بيته، يا إما يفضل ابن أمه البار على حساب بيته الجديد. وفي اليوم الثالث، العصر، جرس الباب رن. فتح أحمد أخويا، ولقيت شريف واقف، وشه شاحن، وعينيه حزينة، وفي إيده علبة شوكولاتة. دخل الصالون، وقعدت قدامه أنا وأمي وأخويا. الصمت كان سيد الموقف، لحد ما أحمد اتكلم: “منور يا شريف، بس اعتقد الزيارة دي مكنش ينفع تيجي فيها لوحدك، ولا إيه؟”
شريف بص في الأرض ورفع رأسه وبصلي: “أنا جاي لرانيا.. وجايلكم عشان أصلح كل حاجة. أنا أسف يا رانيا على اللي حصل، وأمي.. أمي طبعها حامي شوية وخوفها عليا بيخليها تتصرف من دماغي، بس أنا اتكلمت معاها.” رديت عليه ببرود: “وقولتلها إيه يا شريف؟ قولت لها ترجع الفلوس؟ ولا قولت لها إنك مش هتعيش فوقيها؟”
اتلعثم تاني وقال: “صاحب العمارة رفض يرجع المقدم، وقالي ده عربون وراحت عليه لو رجعت في كلامك.. فـ أنا قولت لـ أمي إننا هنعيش هناك مؤقتاً، سنة ولا سنتين، لحد ما أقف على رجلي، وهي وافقت إنها مش هتدخل في اختيار العفش، وهتسيبلك المساحة تختاري اللي أنتِ عايزاه في حدود الفلوس اللي باقية.” أمي ضحكت بمرارة وقالت: “المساحة اللي هي هتديهالها؟ وهي طنط هدى بقت هي اللي بتوزع المساحات والبيوت يا شريف؟”
أحمد أخويا وقف وقال بنبرة حاسمة: “شكلنا بنضيع وقت يا شريف. أنت جاي وشايف إنك كدة حليت المشكلة، وأنت في الحقيقة جاي تثبت شروط أمك علينا وعلى أختي. أختي مش هتعيش في شقة تحت رحمة حد، ومش هتبدأ حياتها بـ كسر خاطر وكرامة مهدورة.” شريف وقف وهو مخضوض: “يعني إيه يا أحمد؟ إحنا بنخرب البيت عشان خاطر شقة؟ ما كل الناس بتبدأ في بيوت عائلات!” بصيت لشريف وقولتله بكل ثقة: “الناس بتبدأ في بيت عيلة بالاتفاق والتراضي، مش باللوى والدراع وفرض الأمر الواقع يا شريف. أمك مكنتش بتوفرلك، أمك كانت بتشتري بفلوسك قفص تعيشنا فيه إحنا الاتنين وتتحكم في مفتاحه.”
فتحت شنطتي، وطلعت علبة قطيفة صغيرة، وحطيتها على الترابيزة قدامه: “دي شبكتك يا شريف، والجمعية اللي أمك عاملاها، تقدر تكملها براحتك وتتجوز بيها الإنسانة اللي توافق تكون تحت طوعها.. أنا برا اللعبة دي.” شريف اتسمر مكانه، مكنش متخيل إن السندوتشين الفول والطعمية هيبقوا هما السبب في نهاية حكايتنا. بص للشبكة، وبصلي وعينيه املت دموع، ولسه هيتكلم ويحاول يشد العلبة ويرجعها في إيدي، لقيت تليفونه اللي في جيبه رن تاني.. ونفس الرنة الرخمة قاطعت هدوء الصالون.
بص للشاشة، وكانت “هدى”.. حماتي اللي لسه مش سيباه يتنفس ثانية من غير توجيه. أحمد أخويا شاورله على الباب وقال بكلمة واحدة: “اتفضل يا شريف.. رُد على الوالدة بره، عشان إحنا معندناش كلام تاني يتقال.” شريف خد العلبة ومشي، وخطواته كانت تقيلة، وأنا قعدت في مكاني، حاسة بنار في صدري اه، بس معاها راحة غريبة.. راحة الخروج من فخ كان هيقفل عليا العمر كله. لكن الحكاية مخلصتش هنا، لأن مكالمة أم شريف بعد ما خرج من بيتنا، مكنتش مجرد مكالمة عادية، دي كانت بداية الحـ,ـرب الحقيقية اللي ناوية تشنها عليا وعلي عيلتي!