
وقفت في البلكونة أتابع حركة الشارع، الهوا كان بيرد الروح بس جوايا كان فيه زحمة أفكار متتعوضش. العرض اللي عرضه الحاج عبد العزيز مكنش مجرد رجوع، ده كان استسلام كامل من ست كانت شيفانا ولا حاجة، وبتعايرني بسندوتش الفول والطعمية اللي بـ 50 جنيه! أمي بصت لي وقالت بنبرة فيها حيرة الأم: “يا بنتي، الست لما تكسر كبريائها وتيجي تعتذر في بيتك، وتكتبلك نص الشقة باسمك، يبقى شريف شاري، وأمه جابت ورا وعرفوا إن الله حق.. فكري يا رانيا، الجواز برضه ستر والراجل باقٍ عليكي.”
أحمد أخويا سكت شوية، وبعدين حط كباية الشاي وبصلي وعينه في عيني: “أنا معاكي في اللي تختاريه يا رانيا.. لو عايزة توافقي وتكسـ,ـري مناخيرها بالاعتذار والشقة، أنا هبقى واقف وبمضي شريف على شروط تخليها متقدرش تعدي من باب شقتك إلا بإذنك. ولو عايزة تقفلي الباب ده، صباعي مش هيعتب عتبة بره.. قولي اللي في قلبك.” أخدت نفس طويل، ولقيت نفسي بهز رأسي وبقول لأحمد: “قول للحاج عبد العزيز إحنا بنحترم مقامه ومقام الجاهة اللي جاي معاها.. والبيت مفتوح للي يجيله بالحق، خليهم ييجوا يوم الأحد بعد العشاء.”
يومين اتنين والبيت عندنا كان في حالة طوارئ، مش عشان خايفين، عشان نكون في كامل هيبتنا. ويوم الأحد، جرس الباب رن. فتح أحمد، ودخل الحاج عبد العزيز ومعاه تلاتة من كبار المنطقة، ووراهم دخل شريف.. وكان ساند أمه! أول ما شوفت طنط هدى، اتصدمت من منظرها. الست اللي كانت بتهلل وتزعق في التليفون ونبرة الشـ,ـماتة بتاكل كلامها، كانت ماشية خطوة خطوة، ضهرها محني شوية، وشها باهت، وعينيها في الأرض.
قعدنا كلنا في الصالون، والحاج عبد العزيز بدأ الكلام: “يا جماعة، إحنا جايين النهاردة نصلح النفوس، وشريف ابننا وغلط، والست والدته خانها التعبير وخاف على مصلحة ابنها فالتصرف مكنش بمقامه. والنهاردة هما جايين شاريين رانيا، وعايزين يفتحوا صفحة جديدة بيضا.” أحمد أخويا رد عليه: “على راسنا يا حاج عبد العزيز، بس رانيا مكنتش غلطانة، وكرامتها اتهدرت، والبيوت ليها أصول.”
هنا طنط هدى رفعت رأسها بصعوبة، وبصت لأمي وبصتلي، وصوتها طلع واطي ومبحوح، خالي من أي جـ,ـبروت قديم: “أنا غلطانة يا أم رانيا.. وبنتك حقها عليا. أنا كنت فاكرة إني بدبر لابني، لكن التدبير قلب بخـ,ـراب ومصـ,ـايب فوق دماغي. شقا ابني كان هيروح، والبيت كان هيتخـ,ـرب، وأنا عرفت إن رانيا هي اللي صانت ابني وهي اللي كانت خايفة عليه.. أنا جاية وبقولها قدامكم كلكم: حقك عليا يا بنتي، ومفيش كلمة هتنزل الأرض بعد كده.” شريف بصلّي بنظرة كلها رجاء وتوسل، وكأنه بيقولي بألف كلمة: “أرجوكي انقذيني.”
الحاج عبد العزيز طلع من جيبه دفتر وقال: “وشريف جايب معاه مقدم الشقة الجديدة اللي رجع، وهيتم كتابة عقد ابتدائي بكرة مناصفة بين شريف ورانيا، والوصولات والعقد هيكونوا في بيت حماك يا شريف.. إيه رأيك يا عروسة؟” الصالون كله سكت، والعيون كلها اتوجهت عليا مستنيين الكلمة اللي هتنهي الحكاية أو تبدأها من جديد. بصيت لطنت هدى، وبصيت لشريف، وحسيت بنشوة الانتصار للحظة.. بس في نفس اللحظة، رن في ودني صوت الضحكة الساخرة بتاعتها لما قالتلي “مش هتخليه يعرف يوفر فلوس يتجوزك بيها”، وافتكرت لستة الأسعار والجملة الأخيرة: *”ومش عايزة دلع ماسخ في الاختيارات.”*
فوقت من ذكرياتي وقومت وقفت، وبصيت للحاج عبد العزيز وقولتله: “أنا بشكرك يا حاج عبد العزيز وبشكر كل الحاضرين.. واعتذار طنط هدى على راسي من فوق، وأنا مسامحة في حقي الشخصي عشان مرضها وعشان خاطر ربنا.” شريف وشه نور وابتسم، بس الابتسامة متكملتش لما تابعت كلامي: “بس الجواز مش شقة باسمي، ولا عقد بنمضي عليه عشان نلوي دراع بعض بيه.. أنا وافقت إنكم تيجوا عشان طنط هدى تعتذر لأمي في بيتنا ويرجع اعتبارنا قدام المنطقة كلها بعد الكلام اللي اتقال في حقنا. لكن الرجوع لشريف.. أنا أسفة، الموضوع ده انتهى ومستحيل يرجع.”
شريف وقف مذهول: “رانيا! بتقولي إيه؟ بعد كل ده؟ دي أمي جتلك لحد بيتك!” قولتله بثبات هز الصالون كله: “أمك جت يا شريف عشان ا تكسرت وعشان النصاب أخد فلوسها وعشان ملقتش حل تاني ينقذ صورتها قدام الناس! أمك مجتش وهي في قمة قوتها عشان تقولي أنا أسفة.. هي جت لما الحيلة ضاقت بيها. وأنت يا شريف، وافقت تكتبلي نص الشقة مش عشان مقدرني، عشان ممعكش فلوس تكمل لوحدك وعايزني أشيل معاك القسط والمسؤولية من الصفر بعد ما شقاك ضاع!”
أحمد أخويا وقف وبص لشريف وللحاج عبد العزيز وقال: “الكلمة كلمتها، والمجلس ينفض على كدة يا جماعة.. حقنا ورجع، والبنوتة مش موافقة.” طنط هدى وقفت، وبصتلي بنظرة اتغيرت في ثانية.. الانكسار اللي كان في عينها اختفى، وظهرت وراه نبرة غل قديمة مكنتش قادرة تدفنها، وقالت بصوت حاد: “بقى كدة؟ بتجرجرينا لحد هنا عشان تكسري بيا وبعيلتي قدام كبار المنطقة؟”
ضحكت وقولتلها: “أنا مجرجرتكوش يا طنط.. أنتِ اللي جيتي برجليكي عشان تداري على خيبتك قدام الناس بعد ما الشقة القديمة اتنصب عليكي فيها! اللي يدق الباب يسمع الجواب.. وشريف ابنك يقدر ياخد الفلوس ويشتري بيها الشقة لوحده، ويفرشها على ذوقك برضه.. من غير دلع ماسخ!” الحاج عبد العزيز أخد شريف وأمه وخرجوا، وشريف كان بيبص وراه وهو مش مصدق إن “رانيا” الضعيفة الطيبة، قفلت اللعبة بذكاء وخدت حقها تالت ومتلت وسابتهم في حيرتهم.
قفلت الباب وراهم، وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. لكن وأنا داخلة أوضتي، لقيت رسالة جاية على تليفوني من رقم غريب.. فتحتها ولقيت مكتوب فيها: *”فاكرة إنك كسبتي الجولة يا رانيا؟ شريف مش هيروح لغيرك، وأنا مش هسيبك تفرحي بكسرتنا في المنطقة.. والأيام بيننا.”* الرسالة مكنتش من طنط هدى.. الرسالة كانت من بنت خالة شريف، العروسة اللي فض الخطوبة معاها، واللي شكلها ناوية تدخل القصة بطريقة مكنتش على البال! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
قريت الرسالة مرة واتنين، وجسمي كله قشعر.. مش خوف، لكن زهق من الدوامة اللي مش راضية تنتهي. بنت خالة شريف، “نيرمين”! الست اللي طنط هدى جابتها عشان تلوى بيها دراعي وتثبت إن ابنها يتمنى ألف مين، طلعت هي كمان حاطة عينيها على شريف ومش ناوية تسيبه يضيع منها، وفاكرة إن أنا اللي وقفت في طريقها. مسحت الرسالة وعملت بلوك للرقم بكل برود. قولت في نفسي: “اللعب بقا على المكشوف، والكل بقى بيحارب عشان يثبت إنه الكسبان، بس أنا برة الديرة دي وخلاص قفلت الكتاب.”
مر أسبوع، والتاني، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. ركزت في شغلي، وبدأت أرجع لضحكتي القديمة وسط أصحابي وأهلي، والمنطقة بدأت تنسى السيرة تدريجياً بعد ما الحقيقة ظهرت للكل وطنت هدى لزمت بيتها ومبقتش تخرج من باب الشقة من كتر الكسرة وإحساسها إن هيبتها ضاعت وسط الجيران. لحد ما جه يوم، كنت راجعة فيه من برة بالليل، والشارع كان هادي جداً. وأنا بقرب من مدخل بيتنا، لمحت خيال حد واقف في الضلمة، مستني ورا شجرة قريبة. أول ما خطواتي قربت، الخيال ده تحرك وطلع في النور.. مكانش شريف، ولا كان نيرمين.
دي كانت طنط هدى.. بس شكلها مكنش مكـ,ـسور زي يوم المجلس، ولا كانت حزينة، عينيها كانت بتلمع بلمعة غريبة وجواها غيظ وغضب مكتوم بقاله أسابيع. وقفت في مكاني، ورفعت راسي وقولت بثبات: “أهلاً يا طنط هدى.. خير؟ واقفة في الضلمة قدام بيتنا ليه في وقت زي ده؟”

