منوعات

بقلم روماني مكرم

أخو جوزى مـ,ـات قولت لجوزى مرات اخوك وعياله ملهمش مكان فى البيت وشجعت جوزى نشترى نصيبهم فى البيت غصب عنهم البدايه فى بيت العيله وهما مكنوش عايزين يبيعوا واحنا عملنا مشاكل وهـ,ـددنها ساعة ما تليفون جابر رن بعد الفجر، والخبر نزل علينا زي الصاعقة: “حسين مـ,ـات في حـ,ـادثة على الطريق السريع”.. البيت كله اتقلب مناحة. حسين، الأخ الكبير الحنين اللي كان ماسك البيت ورابط العيلة، راح في لحظة وساب وراه مراته “صفاء” وعيلين زي الورد، بنت عندها سبع سنين وولد أصغر منها.

تمر الأيام، والسرادق يتفك، والحزن يبدأ يبرد في القلوب، لكن الشـ,ـيطان شاطر.. والبيت ده مش أي بيت، ده بيت العيلة، بيت من أربع أدوار في قلب الحارة، والخميرة كلها فيه. كنت قاعدة في أوضتي مع جابر بعد ما الولاد ناموا، عينيا على جدران البيت اللي شقيت فيه معاه، والشـ,ـيطان عمال يوشوش في ودني: “صفاء وعيالها هيفضلوا قاعدين معانا هنا؟ بكره تتجوز وتاخد حد غريب يدخل طالع نازل على سلمنا! ولا عيالها يكبروا ويحطوا إيدهم في الرزق؟ ملهمش مكان هنا.. البيت ده بتاعك أنت وعيالك يا جابر.”

بصيت لجابر وهو قاعد ساكت ومكسـ,ـور، وبدأت أسمه بالبطيء: * “بقولك إيه يا جابر.. الحزن في القلوب، بس الحياة لازم تمشي. مرات أخوك وعيالها ملهمش كود هنا بعد النهاردة. صفاء لسه صغيرة وبكره أهلها يقلبوها عليك، أو تجيب لنا راجل غريب البيت. احنا لازم نشتري نصيبهم ونقفل الباب ده.” جابر اتخض، وبصلي بذهول: * “أنتِ بتقولي إيه يا سعاد؟ أخويا لسه عضمه ما طريش في تربته! أروح أقول لمراته هاتي نصيبك وأمشوا؟ الناس تأكل وشنا!”

قلبت عليه وشي وقومت وقفت: * “الناس مش هتنفعك لما تلاقي راجل غريب بيكركر بالشيشة على باب بيتك! احنا مش هنظلـ,ـمهم، هنرمي لهم قرشين حلال وياخدوا عيالها وتروح تقعد في بيت أهلها. ده الصح، ولو ما عملتش كده، يبقى أنت بتهد بيتك بيدك!” فضلت وراه يوم في يوم، أكل في دماغه وزي الزنانة على دماغه، لحد ما فكر جابر يغير، والحرص يقلب بطمع. دخلنا على صفاء في شقتها وهي لسه بالأسود، ودمعتها على خدها. جابر اتكلم بجمود أنساني إني كنت شايفاه بيرتعش من شوية:

* “بصي يا صفاء.. البيت ده بيت عيلة وما ينفعش حريم تقعد فيه لوحدها. احنا قررنا نشتري نصيب حسين الله يرحمه، وشوفي كام وخديه وتروحي تقعدي جنب أهلك معززة مكرمة.” صفاء بصتلنا بذهول، والدموع جمدت في عينها: * “أنتم بتقولوا إيه؟ دي شقة جوزي، وبيت عيال حسين! أروح فين بأيتام؟ أنا مش بايعة، ده لحم حسين وريتحه، وعياله هيكبروا هنا وسط أهلهم!” وقفت أنا في وشها ورديت بقلب حجر: * “المكان هنا ما يسعناش احنا وأنتم يا صفاء. والبيع هيتم هيتم، بالرضا أو بالعافية!”

ومن اليوم ده، النار ولعت في البيت. بدأت أنا وجابر حرب تطفيش منظمة. قطعنا عنهم النور والمية بحجة الصيانة، جابر بقى يفتعل مشاكل مع كل حد يدخل لها من أهلها، ويقف على السلم يزعق ويعلي صوته يرمي كلام يوجع الشرف والكرامة، لحد ما الحارة كلها بقت تتكلم. صفاء كانت بتقفل بابها عليها وهي بتعيط وتضم عيالها، بس احنا ما رحمنهاش. وف يوم، جابر جاب اتنين من البلـ,ـطجية وقرايبه، ودخلوا البيت بعنف، وقفوا تحت سلم الشقة، وصوت جابر جاب آخر الشارع:

* “يا تبيعي يا صفاء بالثمن اللي أقول عليه، يا قسمًا بالله ما هتخرجي أنتِ وعيالك من البيت ده على خير، والورق هينكتب يعني هينكتب!” صفاء فتحت الباب، كانت كاشفة شعرها ووجهها أصفر زي الليمونة، وبصت لجابر وليه بعيون فيها كمية غضب وقهر تهز جبال، ورفعت إيدها للسما وقالت بصوت يرعب: * “حسبي الله ونعم الوكيل فيكم.. ظَلمتم أيتام وأخوك في قبره.. والعهد الله لتشوفوا اللي عملتوه ده في صحتك وفي عيالك يا جابر يا خويا!”

الكلمة نزلت على جابر خلته يرجع خطوة ورا، بس أنا زقيتها وقلت لها: * “وفري دعواتك، هاتي الورق وإمضي خلصينا!” تحت الضغط والإهانة والخوف على عيالها، صفاء جابت الورق ومضت وهي بتترعش، واخدت القرشين القليلين اللي جابر فرضهم عليها غصب عنها، وجمعت هدومها وهدوم عيالها في شنطتين مشمع، ونزلت السلم وهي مش بتبص وراها. ساعة ما باب الشارع اتقفل وراها، أنا تنفست الصعداء وابتسمت بنصر: “البيت بقى بتاعنا لوحدنا يا جابر!” بس الضحكة ما كملتش..

في نفس الليلة، بعد ما صفاء مشيت بساعتين، البيت هدي تماماً. قعدنا أنا وجابر في الصالة بنشرب شاي وبنحسب الفلوس، وفجأة النور قطع.. والبيت كله بقى كحل. سمعنا صوت خبط منتظم وجاي من الدور الفوقاني.. شقة حسين الله يرحمه! خبط رجليين متقلة كأن حد بيمشي الكاتب_رومانى_مكرم_ بسرعة فوق دماغنا، وصوت باب الشقة المقفولة بالمفتاح بيفتضخ وبيترزع بقوة، وصوت واد صغير بيبكي ويصرخ من فوق: “يا بابا.. يا بابا متسبناش!” جابر وقع كوباية الشاي من إيده، ووشه اصفر، وبصلي بعيون مرعوبة وقال بصوت بيترعش:

* “سعاد.. الصوت ده.. ده صوت ابن حسين! هما مش مشيوا؟!” يا ترى إيه اللي مستني سعاد وجابر فوق في شقة المرحوم، ودعوة صفاء المقهورة هتترد لهم إزاي في أغلى ما عندهم؟ جلستُ مسمرةً في مكاني وكوب الشاي يرتجف في يدي، والصوت القادم من الأعلى يزداد وضوحًا وشدة. خبطات الأقدام فوق سقف الصالة كانت ثقيلة ومتقاربة، كأن هناك شخصًا يذرع الشقة جيئة وذهابًا، وصراخ الطفل الصغير يتردد في منور البيت ليصل إلى آذاننا حادًا يمزق القلوب: “يا بابا.. يا بابا متسبناش!”

جابر قام واقفًا، ركبه بتخبط في بعضها، وجلابيته اتبلت بالشاي المغلي لكنه ما حسش بالوجع من هول الصدمة. مسك في كتفي بصوابع متلجة وهو بيهمس بصوت مبشوح: * “سعاد.. أنا قفل أبواب الشقة فوق بالرباس والمفتاح بنفسي بعد ما نزلت شنطهم.. مين اللي جوه؟” قلت له وأنا بأحاول أتمالك نفسي وأكذب وذني: * “يمكن.. يمكن عيل من عيال الحارة استخبى فوق، أو صفاء نسيت حاجة ورجعت تأخدها.. قوم انزل.. أقصد اطلع شوف في إيه!”

جابر جاب الكشاف، ومشينا ناحية السلم خطوة بخطوة. الظلام كان تقيل ورطوبة البيت زادت فجأة بشكل يكتنفس، وكل ما نقرب من الدور الفوقاني، ريحة البيت تتغير.. بقت ريحة غريبة، ريحة تراب مبلول ومسك زي ريحة المقابر. وصلنا قبالة شقة حسين. الباب الخشب التقيل كان مفتوح على آخره، والضبة مكسورة نصين كأن حد ضـ,ـربها بفأس! جابر وجّه نور الكشاف لجوه الشقة، وإيديه بتترعش.. الصالة كانت فاضية، التراب مغطي الأ any أثاث فاضل، بس في النص.. كان في أثر أقدام مبلولة بالتراب والأرض متوسخة، كأن حد طالع من القبر ورجليه لسه فيها طين التربة!

وفجأة.. الباب اترزع ورا الضهر بقوة مرعبة، والنور بتاع الكشاف بدأ يطفي ويقيد بسرعة. في الزاوية العتمة من الصالة، ظهر خيال راجل طويل، لابس هدوم شبه اللي كان حسين لابسها يوم الحادثة.. الصوت مكنش صوت عيل صغير، الصوت يتحول لصوت حسين الله يرحمه، بس مكسور ومصحوب بنشيج مرعب: * “ليه يا جابر؟ ده أنا سبتلك لحمي وأمانتي تتكفل بيهم.. تطلعهم في أنصاص الليالي مشردين؟ تآكل حق الأيتام يا أخويا؟” جابر وقع على ركبه، ومسك رأسه بصرخة مكتومة:

* “سامحني يا حسين! هي اللي وزتني! هي اللي قالت لي البيت وهي اللي طمعتني!” التفت الخيال ناحيتي، وحسيت بالهوادي بتجمد في عروقي لما الباب اتفتح تاني لوحده وصوت الهوا الهائج دخل الشقة. في اللحظة دي، جالي تليفون في جيبي، صوت النغمة كان زي الصرخة في الهدوء المرعب ده. سحبت التليفون بأيد مـ,ـيتة، كان رقم ابني الكبير “أحمد” اللي كان راجع من الدرس على الموتوسيكل بتاعه. رديت بصوت متقطع: * “أحمد؟ أنت فين يا ابني؟”

جالي صوت دكتور من المستشفى العام، صوت جاد وصارم نزل عليا زي السـ,ـكينة: * “حضرتك والده أحمد جابر؟ ابنك عمل حادثة صعبة على الطريق السريع بالحرّافة، وهو حاليًا في العناية المركزة محتاج نقل دـ,ـم فورًا وعملية خطيرة، ولازم تحضروا فورًا.” السماعة وقعت من إيدي، وعيني جت في عين جابر اللي كان لسه على الأرض. دعوة صفاء المقـ,ـهورة تحت السلم لما رفعت إيدها للسما وقالت: “والعهد الله لتشوفوا اللي عملتوه ده في صحتك وفي عيالك يا جابر”.. كانت بتتحقق في نفس الساعة ونفس اللحظة!

ما لحقناش نفرح بالبيت، ولا لحقنا نتهنى بالقرشين اللي وفرناهم من حق الأيتام. جابر قام يجري على السلم زي المجنون وهو بيصرخ ويبكي، وأنا وراه برجف وبأبكي بدل الدموع دم. وصلنا المستشفى، ولقينا أحمد بين الحياة والمـ,ـوت، والدكاترة داخلين طالعين، والتكلفة بتاعة العملية والمستشفى بلعت كل الفلوس اللي كنا محوشينها، وزدنا عليها ديون وكتبنا على نفسنا وصولات أمانة عشان ننقذ حياة ابننا. أحمد عاش، بس خرج من المستشفى بضمور وعجز حركي بيخليه محتاج خدمة طول العمر.. والجزء الأكبر من البيت اضطر جابر يبيعه للغرباء برخص التراب عشان يسدد ديون المستشفى وأطباء المخ والأعصاب.

صفاء خدت عيالها وعاشت في رضا مع أهلها، ربنا فتحها في وشها واشتغلت وربت عيالها بشرف وكرامة، أما احنا.. البيت اللي عملنا عشان نطـ,ـردهم منه المشاكل، بقى جحـ,ـيم نكاري، كل زاوية فيه بتذكرنا بالظـ,ـلم، وأنا وجابر بقينا بنبص لبعض كل يوم بنشرب المر، وعارفين إن عقاب الدنيا ده مجرد بداية، وإن دعوة المظـ,ـلوم ملهاش حجاب، وأكل مال اليتيم نار بتاكل صاحبها في الدنيا قبل الآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى