
خرج طارق من البيت بشنطة هدومه ورزع الباب وراه، وساب وراها سكوت تقيل كان أشد من صوت الزعيق. البيت اللي كان دافي بقى بارد زي الملاية، وشهد بنتي كانت لسه قاعدة على الأرض في الصالون، ضامة ركبها لصدرها ودموعها نازلة على وشها من غير صوت. مشيت ناحيتها براحة، كل خطوة كانت بتوجعني في جسمي كأني طالعة من حرب. قعدت قصادها على الأرض، بصيت لوشها اللي اترست عليه علامات الخوف والندم. البنت اللي كنت شايفاها إمبارح بتتحداني، بقت قدامي مجرد طفلة مذعورة أدركت فجأة إنها كانت بتلعب مع تعبان وهي فاكراه لعبة. رفعت وشها بإيدي بالراحة، وقالت بصوت مكسور ومتقطع: * “ماما..
والله العظيم أنا آسفة.. هو كان بيكلمني بصوت هادي، كان بيقولي إني كبرت وبقيت جميلة، وكان بيبعتلي كلام حلو في الرسائل.. أنا حسيت إن عندي أب بيسمعني ومبينتقدنيش زي ما أنتِ بتعملي.. مكنتش فاهمة إن ده قذارة يا ماما.. صدقيني.” الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. عرفت إن جزء من الغلط كان عليا.. الجري ورا اللقمة والتفكير في المستورة خلاني أسيب بنتي فريسة سهلة لأي كلام حلو يسد الفراغ اللي سابه أبوها. بس الغضب واللوم مش هيصلحوا اللي انكسر. بصيت في عينها بثبات وقولت: * “شهد.. اللي حصل ده درس عمرك كله.
طارق طار من البيت ده، بس الخراب اللي سابه جوانا محتاج يتصلح. من النهاردة مفيش دلع، ومفيش سر بيني وبينك.. خطك التلفوني هيتغير، وتلفونك هيفضل تحت عيني، ومش عشان مش واثقة فيكِ.. عشان أتعلم أحميكِ صح.” هزت رأسها بلهفة ومسحت دموعها: * “حاضر يا ماما.. والله حاضر، أي حاجة تقوليها هعملها.” عدت أيام قليلة، والهدوء الشكلي بدأ يرجع للبيت، بس النار كانت لسه تحت الرماد.
طارق خرج ببدنته، بس حقد الراجل اللي اتفضح قدام نفسه كان لسه بيطاردنا. في يوم الأحد، ورنة التلفون قطعت السكون. رقم غريب. رديت بحذر: * “ألو؟”
جالي صوته، بس المرة دي مكنش الصوت الرزين المتدين، كان صوت ملغوم بالغل والكراهية: * “فاكرة إنك كسبتي يا ياسمين؟ فاكرة إنك لما طردتيني وأخدتي الشقة والورق إني هسكتلك؟” قلبي دق بسرعة، بس مسكت نفسي ورديت ببرود: * “عايز إيه يا طارق؟ أظن أوراق الطلاق والتنازل معاك ومفيش حاجة تربطنا.” ضحك ضحكة خفيفة تقشعر لها الأبدان وقال: * “الطلاق والتنازل دول بليفي بيهم يا ياسمين.. أنتِ نسيتي إن طارق مبيخسرش؟ المذكرات اللي أنتِ قريتيها في المكتب كانت مجرد نسخة.. النسخة الأصلية والتسجيلات الصوتية اللي بيني وبين شهد من شهور، على فلاشة تانية معايا..
لو الفيديو اللي معاكِ اتسرّب أو فكرتي تروحي بيه للشرطة، أنا هرفع قضايا رد شـ,ـرف، وهطلع بنتك هي اللي كانت بتتاردني وتتبلى عليا.. وساعتها وريني هتورّي وشك للناس إزاي!” الدم اتجمد في عروقي. طارق كان مأمن نفسه من زمان! كان عامل حسابه لكل خطوة.. الراجل مكنش بيلعب بس، ده كان بيجهز مصيدة محكمة لينا من أول يوم دخل فيه البيت. سكتت لحظات، وحسيت بالدنيا بتلف بيا، بس استجمعت قوتي وقولت: * “أنت مريض يا طارق.. مريض ومكانك المستشفى أو السجن.” رد بصرامة: * “أنا قدامي خيار واحد يا ياسمين..
أنتِ هتنازلي عن كل حاجة كتبتها لك، وهتكتبي ورقة بخط إيدك إن الطلاق كان لعدم التوافق ومفيش أي مشاكل بيننا، وهترجعيلي كل حاجة أخدتيها.. وإلا القسم هيعرف الحكاية بس بروايتي أنا.. ومعايا الإثباتات اللي تخلي بنتك تتفصل من مدرستها وتتحسر على حياتها.” قفل الخط في وشي قبل ما أرد. وقفت في نص الصالة، والتلفون في إيدي بيترعش. التهديد كان مباشر وقـ,ـاتل. طارق عارف إن نقطة ضعفي الوحيدة هي شهد وسمعتها، وعارف إن المجتمع مبيرحمش، حتى لو البنت مجني عليها، المراهقة والجهل هيتحولوا في نظر الناس لإنحراف وتفريط. دخلت أوضة شهد، لقيتها قاعدة بتذاكر، وشها كان بدا يرجعله اللون الخفيف.
بصيت لها وقولت لنفسي: “مش هسمح للكلب ده يهد حياتك تاني.. ولو كانت دي معركتي الأخيرة، هخوضها للاخر.” قعدت على مكتبي وطلعت ورقة وقلم. بدأت أجمع كل الخيوط اللي معايا. فيديو التهديد، تاريخ الرسائل، الشهود اللي شافوه وهو بيحاول يقرب منها، والتنازل الرسمي اللي وّثقه في الشهر العقاري يوم الطلاق. في نفس الليلة، اتصلت بصديقة قديمة لينا، جوزها محامي كبير وبيفهم في قضايا الابتزاز الالكتروني والجرائم الأسرية. قابلته تاني يوم في مكتبه بعيد عن المنطقة اللي ساكنين فيها. حكيت له كل حاجة بالتفصيل، وسمعته التسجيلات وعرضت عليه فيديو المواري. المحامي قعد يقلب في الأوراق وسكت شوية، وبعدين بصل بثبات وقال:
* “يا ياسمين هانم.. طارق بيلعب لعبة “عض الأصابع”.. هو مفيش معاه حاجة تقدر تدين شهد قانوناً لأنها قاصر (17 سنة)، والقانون بيعتبرها مجني عليها في كافة الأحوال تحت بند استغلال القاصر. كل التهديدات اللي بيعملها دي مجرد حـ,ـرب نفسية عشان يرجع الشقة والفلوس اللي تنازل عنها.” أخدت نفس عميق وقولت: * “بس هو بيهدد بالفضيحة يا استاذ.. والناس مبترحمش.” المحامي ابتسم ابتسامة خبيثة وقال: * “الفـ,ـضيحة سيف ذو حدين.. وطارق راجل بيعمل نفسه شيخ ومتدين قدام المنطقة وشغله. هو يخاف من الفضـ,ـيحة أكتر منك بمليون مرة. احنا مش هنستنى لما هو يضغط.. احنا اللي هنهاجم.” خطط المحامي كانت جهنمية.
اتفقنا إنه هيعمل بلاغ رسمي في النيابة العامة بتهمة “الابتـ,ـزاز الإلكتروني واستغلال قاصر”، مع طلب تفريغ كاميرات العمارة والشهادات الحية، وفي نفس الوقت هنبعت له إنذار على يد محضر يطالبه بـ عدم التعرض. رجعت البيت وأنا حاسة إن القوة بدأت ترجعلي. بس طارق مكنش ناوي يستنى الخطوة القانونية. الساعة كانت 10 بالليل، والباب خبط بقوة. خبطات متتالية ورا بعضها تخوف. شهد طلعت من أوضتها مفزوعة: * “مين ده يا ماما؟” جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.. كان طارق! واقف في الطرقة، وشها محمر وعينيه فيها جنون، ومسك في إيده ملف أسود. زعق بصوت عالي جايب أخر الشارع:
* “افتحي يا ياسمين! افتحي بدل ما ألم عليكِ العمارة كلها وأطلع المستور! افتحي يا خائنة يا اللي بلتيني على بنتك!” صوته كان طالع يزلزل البيت، والجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك وببان الشقق ويدوروا على مصدر الصوت. شهد مسكت في ضهري وهي بتعيط: * “يا ماما بلاش تفتحي.. هيعمل فينا إيه؟” بصيت لشهد، وبعدين بصيت للباب.. وعرفت إن اللحظة دي هي اللي تحدد مسار حياتنا.. إما أنكمش وأخاف وأسيب الفضيحة تأكلنا، أو أخرج وأواجه الذئب ده قدام الناس كلها وأكشف وش التقوى اللي متغطي بيه. مسكت التلفون، شغلت الكاميرا، وفتحت الباب على آخره..
وقفت قدامه في وش الطرقة، والناس بدأت تتجمع على السلم. بصيت له بعيون متخافش وقولت بصوت هز الطرقة كلها: * “تعالى يا طارق.. تعالى سمّع الناس كلها الكلام اللي كنت بتقوله لبنتي القاصر الساعة 3 الفجر في الضلمة! تعالى وريهم الشيخ الجليل وهو بيساوم على شرف عيلة!” وش طارق اتجمد، والملف اللي في إيده اتهز.. والجيران بدأوا يتهامسوا ويقربوا خطوة خطوة.اتسمر طارق مكانه في أول درجة من السلم، وعينيه زادت اتساعها وهو شايف جيرانه طالعين ونظرات الاستنكار والذهول مالية وشوشهم. الحاج محمود صاحب العمارة قاطع السكوت وهو نازل خطوتين بصرامة وقال بحدّة: “في إيه يا استاذ طارق؟
صوتك جايب آخر الشارع ليه؟ وإيه الكلام المرعب اللي المدام بتقوله ده؟” طارق حاول يحافظ على قناع التقوى والرزانة اللي لبسه لسنين، وبدأ يتلعثم وهو بيمسح عرقه ويرجع خطوة لورا: “يا حاج محمود.. دي ست اتجننت! بتتبلى عليا بعد ما طردتني من الشقة وطلبت الطلاق، ودلوقتي بتألف قصة حامضة عشان تشـ,ـوّه سمعتي قدام الناس وتغطّي على تقصيرها!” رفعت التلفون في وشه بثبات، ودست على زرار التشغيل. صوت طارق خرج نقي وواضح من سماعة التلفون المرفوعة.. صوته وهو بيهددني بالمذكرات والتسجيلات، وصوته الحقير وهو بيتكلم مع بنتي شهد في أوضة المكتب الساعة 3 الفجر وبيقولها: “مامتك مش فاهمة حاجة..
خلي كل حاجة بيننا سر”. الصوت هزّ الطرقة وسكت الكل. الحاج محمود بص لطارق بقرف شديد وقدم منه، وأم أحمد جارتنا حطت إيدها على بقها من كتر الصدمة وشهقت: “يا ساتر يارب! ده الراجل اللي كنا بنقول عليه بركة وشيخ وبيمشي جنب الحيط! طلعت بالبشاعة دي يا طارق؟” وشّ طارق اتغير للون الأسود، وعرف إن الورقة الأخيرة اللي كان بيلعب بيها طارت من إيده ومفهاش أي رجعة. الهيبة التقية اللي بناها لسنين وسط المنطقة اتبخرت في ثواني معدودة. مسك الملف اللي في إيده بعنف، ونبرة صوته اتغيرت كلياً كأنه وحش مجروح اتكشف غطاء جحره: “والله ما هسيبك يا ياسمين!
الشقة دي شقتي، والبت دي أنا عارف إزاي أربيها بطريقتي، ومش هخليكِ تهنّي بليلة واحدة في المنطقة دي كلها!” الحاج محمود زقه بقوة بعيد عن باب الشقة وقال بصوت هز السلم: “انزل يا طارق من هنا أحسن ما نطلبلك البوليس يلمّك! المنطقة دي فيها رجالة، وما بنسمحش لواحد خاين وزيك يرفع صوته على ولادنا ولا يهدد حرمة بيوتنا!
انزل وما تشوفش وشك هنا تاني!” طارق بصلي بنظرة كلها كره وحقد ينطق بالشر، ونزل السلم وهو بيلهث وبيشـ,ـتم تحت ضرسه، ورزع باب العمارة برة بقوة هزت الحوائط. قفلت الباب ورجعت لورا وأنا حاسة إن حيلتي اتهدّت تماماً.
شهد اتَرَمَت في حضني وهي بتصرخ بالبكاء وجسمها كله بيترعش. الجيران طبعاً حاولوا يهدونا في اللحظة دي، بس أنا عارفة كويس طبع المجتمع.. الكلام مابيمـ,ـوتش بسهولة، والنظرات بين الناس بتتغير في ثواني. الشك هيفضل ينخر في دماغاتهم، وهيطلع مين يقول “أكيد البنت كانت بتديله وش” ومين يقول “أكيد الأم كانت دريانة”. ده الواقع اللي بنواجهه، دايماً بيحملوا الضحية جزء من الجريمة عشان يريحوا ضميرهم. عدت ليلتين، وكانت المنطقة تحت البيت مليانة همس. شهد رفضت تماماً تنزل المدرسة، وقعدت في الأوضة قافلة على نفسها ومبتكلش. بصيت لها ولقيت البنت بدأت تدبل وتحبل، الخوف قـ,ـتل ضحكتها، والندم بياكل في جسمها الصغير.
قعدت جنبها على السرير، مسكت إيدها المرتعشة وقولتلها بصوت حاسم: * “لو استخبيتي يا شهد، هتبقي بتعترفي قدام نفسك والناس إنك أذنبتي. طارق هو المجرم، هو اللي لازم يختفي ويستخبى في جحره، مش أنتِ. من بكرة هتنزلي مدرستك، ورأسك مرفوعة فوق، وأنا هكون معاكِ في كل خطوة ومفيش مخلوق يقدر يلمس منك شعرية.” هزت رأسها بدموع وقالت: “أنا خايفة يرجع يا ماما.. خايفة يعمل فينا حاجة.” وقبل ما أرد عليها، رنة التلفون قطعت كلامنا. كان المحامي. صوته مكنش يطمن خالص: * “يا ياسمين هانم.. طارق بيلعب لعبة قذيرة جداً ومش ناوي يسلّم بسهولة.
عرفت إنه راح قسم الشرطة وعمل محضر كير رسمي ضدك وضد شهد، ببيتهمكم فيه بالسـ,ـرقة والنصب! قايل إنك سـ,ـرقتي منه أوراق ملكية ومبالغ مالية كبيرة كانت في المكتب، وإن بنتك ساعدتك في ده! والأدهى والأمر.. إنه مقدم صورة إيصال أمانة مزور بـ 500 ألف جنيه وادّعى إنك مضيتي عليه أثناء الزواج كأمانة!” الخبر نزل عليا زي الصاعقة! طارق كان بيحفر لي قبر قانوني محكم.
هو عارف إن القضية دي لو كبرت، هبقى مهددة بالحبـ,ـس، أو هضطر أساومه وأتنازل عن الشقة والفيديو والمذكرات مقابل إنه يسحب المحضر وإيصال الأمانة المزور! المحامي كمل كلامه بجدية: “الوضع بقى معقد يا ياسمين..
إيصال الأمانة ده محتاج نطـ,ـعن عليه بالتزويـ,ـر ونستنى تقرير الخبراء، وده بياخد وقت، وفي الوقت ده ممكن ينزل عليكِ أمر ضبط وإحضار. طارق بيلعب بقذارة وشراسة راجل مفيش قدامه حاجة يخسرها.” الخوف كان بياكلني، بس الغضب جواه كان أعتى وأقوى. نزلت تاني يوم الصبح مع شهد عشان أوصلها لدرسها وأطلع منها على مكتب المحامي. وأنا ماشية معاها في الشارع الجانبي القريب من البيت، لقيت عربية سوداء بفراميه واقفة على جنب الممر. فجأة الباب اتفتح، وخرج منه طارق ومعاه راجلين شكلهم يقلق وعضلاتهم مفتولة! طارق كان عينيه فيها شر وجنون غير طبيعي. قرب مني بجرأة وقال بصوت واطي ومسموم:
* “أهو ده المحضر المزور يا ياسمين.. وبنتك اللطيفة دي لو ما جتش معايا دلوقتي بالرضا عشان نقعد نتفاهم ونقفل المهازل دي ونكتب التنازلات، هخلي الرجالة دول يشدوها في العربية، وساعتها وريني هتجيبيها منين!” شهد صرخت واستخبت ورا ضهري وتشبثت في هدومي. الراجلين قربوا يطوقونا، والشارع كان فاضي تقريباً في الوقت ده من الصبح. طارق استغل إن الشارع هادي وقرر يتصرف بعنـ,ـف وجنون كأنه بايع حياته. مسكت شهد بكل قوتي وطلعت إيدي التانية من الشنطة.. كنت عاملة حسابي لأي غدر منه من يوم ما هددني على السلم.
طلعت زجاجة سبراي شطة حارقة كنت شرياها مخصوص، ورشيتها مباشرة وبقوة في وش الراجل الأولاني وفي عينين طارق مباشرة! طارق صرخ صرخة مكتومة ووقع على الأرض ماسك وشه وبيشتم بأبشع الألفاظ وهو بيتلوى من الحرقان. الراجل التاني اتخض ورجع لورا وهو بيمسح وش أخوه، وأنا مسكت إيد شهد وجرينا بأقصى سرعة ممكنة ناحية الشارع الرئيسي المليان ناس ومحلات. وقفت في الشارع الرئيسي وأنا بنهج ونبضات قلبي طالعة للسماء، وشهد بتصرخ من الرعب.
الناس اتجمعت حوليا يسألوا في إيه، بس أنا مكنتش قادرة أتكلم.
أخدت شهد ودخلنا أقرب سوبر ماركت كبير، طلعت تلفوني وإيدي بتترعش واتصلت بالمحامي وبالشرطة مباشرة وبلغت عن محاولة خطف وابتزاز وتهديد صريح. الشرطة جات بسرعة، وأخدوا أقوالنا وشهادة أصحاب المحلات في الشارع الجانبي اللي شافوا طارق والعربية وهم بيهربوا بعد ما رشيت الشطة. ضابط المباحث كان راجل محترم وحاسم، لما شاف الفيديوهات القديمة وسمع التسجيلات وشاف بقع الشطة على الأرض وتفريغ كاميرا السوبر ماركت، أدرك إننا قدام راجل خطير ومريض نفسي وممكن يرتكب أي جريمة. الضابط قال للمحامي وليا بصوت حازم: “الجدع ده مش هيهدى إلا لما يتقبض عليه متلبس أو بقضية تخليه يقضي بقية عمره ورا الشمس.
المحضر المزور بتاع إيصال الأمانة ومحاولة الخطف والابتزاز دلوقتي هيتحولوا للنيابة العامة بصفة عاجلة مع تفريغ كاميرات الشارع.” طارق استخبى بعد الحادثة دي، واختفى تماماً من شقته ومن شغله، بس المحامي تأكد إن النيابة أصدرت بالفعل أمر بضبطه وإحضاره بتهم الابتزاز الإلكتروني، محاولة الخـ,ـطف، والتزويـ,ـر. رغم كل ده، كنت حاسة إن الكابوس لسه مخلصش.. طارق بقى زي الذئب الجريح، والذئب لما ينحصر في الزاوية بيعمل أي حاجة مجنونة. وفي نفس الليلة، عرفت إن الكابوس بيكبر لما شهد مسكت تلفونها ولقيت رسالة جاية لها من رقم مجهول.. الرسالة كانت عبارة عن صورة لباب شقتنا من برة مكتوب تحتها: “النهاردة بليل..
يا هنهيها بالدم، يا هتاخدوا اللي تستاهلوه”. وقفت في نص صالة الشقة، بصيت لشهد اللي كانت قاعدة بتترعش، وبصيت للشبابيك المقفولة.. وعرفت إن الليلة دي هي الليلة الحاسمة، الليلة اللي لازم ينتهي فيها الكابوس ده للأبد، إما بحريتنا ونجاتنا، أو بفاجعة تهد كل حاجة بنيتها. مسكت التلفون، اتصلت بضابط المباحث والمحامي وقولتلهم بصوت ثابت زي الجبل: “طارق جاي الشقة النهاردة بليل يخلص حسابه.. تعالوا واستخبوا جوة، الليلة دي لازم كل حاجة تتقفل.” وترقبوا الجزء الخامس والأخير لمعرفة النهاية الحاسمة لكابوس ياسمين وشهد وطارق.
انتشر السكون في الشقة، سكون ثقيل يخنق الأنفاس.
الساعة قاطعت منتصف الليل بكتكتة منتظمة، والبيت كله متغطي في الضلمة، إلا من ضوء الشارع الضعيف اللي داخل من بين فتحات الشيش. شهد كانت قاعدة على أرضية المطبخ واستخبّت جوة، ضامة ركبها ومغمضة عينيها بتدعي بالسلامة، وأنا واقفة في الطرقة الضلمة، حسة بضـ,ـربات قلبي كأنها طبول حرب بتدق في صدري.

