
أحمد كان واقف قدامي على ركبه، ونظرات الرجا في عينه مخلتهوش يصعب عليا ولا للحظة. الخمس سنين اللي عشتهم في ذل وقهر، والإهانات اللي كنت ببلعها عشان أحافظ على بيتي، مرت شريط قدام عيني. بصيت للورق اللي في إيدي، وابتسمت ابتسامة باردة كلها ثقة وقوة، وبصيت لأحمد وقولت له: – “قوم اقف يا أحمد.. ايدك والورق ده مش هما اللي هيرجعوني ليك، ولا الشقة اللي عايز تكتبها باسمي بقت تلزمني. أنا قولت لك الصبح إني بعت نايبي لعمي وبقى معايا فلوس تشتري عمارة كاملة.. أنا مش محتاجة لفلوسكم ولا لبيتك.”
عمي عبد الحميد شال النضارة من على عينه، وبص لأحمد بنظرة حاسمة وقال بصوته الجهوري: – “اسمع يا واد يا عمران.. بنت أخويا مش هترجع للبيت اللي اتهانت فيه، والورق ده هيفضل معانا هنا في الحفظ والصون.. روح لبيتكم، وقول لأمك إن سرها بقا في يد رجال، وإحنا ناس بنعرف الأصول ومابنفضحش حريم، بس بشرط.. ورقة بنت أخويا توصلها لحد هنا بالمعروف، وكل حقوقها والمؤخر بتاعها يندفع تمن دم قلبها اللي راح معاكم، وإلا وقسمًا بالله ليكون ورق صفية مبروك الصياد متصور ومتوزع في البندر كله قبل المغربية!”
أحمد حس إن الأرض بتلف بيه، لقى نفسه مش بس خسر مراته وعفشه وبرستيجه قدام نسابه الجداد، ده كمان بقى شايل سر يهد عيلته بالكامل لو اتعرف. وطى رأسه ومشي وهو يجر أذيال الخيبة والكسرة، بعد ما تيقن إن “ندى” بتاعة زمان م,,اتت، وال واقفة قدامه دي ست تانية خالص. ### زل,,زال في البندر مرت الأيام، وأنا مكنتش ناوية أسيب حقي يضيع ولا أكتفي بمجرد الطلاق. بالفلوس اللي أخدتها من ورث أبويا، وبمساعدة عمي عبد الحميد، وظفت محامي شاطر جداً من البلد. المحامي بدأ يشتغل على جبهتين:
* **الجبهة الأولى:** قض*ية الطلاق وتوفير كافة الحقوق والمستحقات المادية والقانونية، مضافًا إليها وصولات الأمانة اللي كانت معايا تمن العفش والشاشات والأجهزة اللي أحمد مضى عليها زمان. * **الجبهة الثانية:** إرسال إنذارات رسمية على يد محضر لأحمد بضرورة دفع المؤخر والنفقة فوراً وإلا الحبس.
حم,,اتي “الحاجة صفية” لما عرفت إن الورق بقا معايا، وإن سرها القديم وأصلها اللي استعرت منه طول عمرها بقى تحت رحمتي، جالها رعب حقيقي. الخوف من الفضيحة وسط جيرانها وأقارب زوجها المتوفى في البندر شل حركتها تماماً. منة أخت أحمد، اللي كانت خطوبتها اتفضت، بقت قاعدة في البيت زي المجنونة، تعيط على العريس اللي طار وتلوم أمها وأخوها على اللي وصلوا له.
### اللقاء الأخير في بيت المحامي بعد أسبوعين، وبسبب الضغط والتهديد بالحبس والفضيحة، وافق أحمد وأمه على كل شروطي. اتجمعنا في مكتب المحامي في البندر عشان نخلص كل حاجة بالمعروف.
دخلت المكتب وأنا لابسة طقم شيك جداً، رافعة راسي، وعمي عبد الحميد مالي مكانه جمبي. حم,,اتي كانت قاعدة، وشها أصفر، دبلانة، وباين عليها آثار الجلطة الخفيفة، ولأول مرة تبص لي وعينها في الأرض، مكسورة ومن غير الكبرياء المزيف اللي عاشت بيه. أحمد مضى على ورقة الطلاق وهو إيده بترتعش، ودفع كل المبالغ والمؤخر اللي المحامي حددها عشان ننازل عن القضايا ونسلمهم أوراق “المعلم مبروك الصياد”. قبل ما أمشي من المكتب، وقفت قدام حم,,اتي وبصيت لها بكل قوة وقولت لها بصوت مسموع:
– “شايفة يا حاجة صفية؟ ريحة السمك وشقا الصيادين اللي كنتِ بتقرفي منهم، هما اللي عملوا القرش اللي عيشتي بيه في البندر واتمنظرتي بيه على الخلق.. وأهو شقا أبويا الصياد برضه هو اللي رجع لي حقي وخلاكم تقفوا الموقف ده قدامي. الأصل مش عيب يا بنت الأصول.. العيب هو النكران والغل.” حم,,اتي منطقتش ولا بكلمة، نزلت دموعها في صمت وهي سانده على أحمد اللي كان بيبكي على خسارته الكبيرة. ### بداية جديدة
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتغسل خمس سنين من التعب والظل,,م. ورقتي وصلتني، وحقوقي كلها في جيبي، وكرامتي رجعت لي تالت ومتلت أمام البلد كلها. رجعت لبيت أبويا الكبيير في البلد، وبدأت أخطط لمشروعي الخاص بالفلوس اللي معايا، عشان أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن ندى مش محتاجة حد يشيلها، هي اللي تقدر تبني نفسها بنفسها وتعيش ملكة بأصلها وشقا أهلها. ## الجزء السادس وليس الأخير
الحياة في بيت أبويا الكبير رجعت لي الروح من تاني. الهدوء اللي كنت بتمناه، والنظافة، والتقدير اللي اتحرمت منهم خمس سنين بقوا واقع عشته كل يوم. بالفلوس اللي أخدتها من نايبي في ورث أبويا، والمبالغ اللي أخدتها من أحمد والمحكمة، مكنتش ناوية أقعد حاطة إيدي على خدي. قررت أبدأ مشروعي الخاص في البلد؛ فتحت مشغل كبير لتعليم وتشغيل بنات القرية في مجال تفصيل الملابس الجاهزة والتطريز، وبقى اسمي “الست ندى” بيتردد بالخير في كل مكان، والكل بيحلف بأصلي وجدعنتي.
أما عيلة عمران في البندر، فكانوا لسه بيحصدوا اللي زرعوه. الشقة الفاضية المطفية اللي سيبتها ورايا كانت بتفكر أحمد كل يوم بإنانيته وغبائه. أمي وعمي عبد الحميد كانوا حريصين إننا ماننشرش ورق “الحاجة صفية” في البندر التزاماً بالأصول، لكن سيرة خناقة العفش، والعمال اللي فكوا الشقة في ليلة قراية الفاتحة، وهروب العريس وأهله، بقت هي الحكاية المفضلة لجيرانهم وللمنطقة كلها.
### المكالمة غير المتوقعة
في يوم، وأنا قاعدة في المشغل بتابع الشغل مع البنات، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب. كنت متعودة ماردش على أرقام مجهولة عشان قرف أحمد، بس المرة دي قلبي نقح عليا وفتحت الخط. جالي صوت ضعيف، مبحوح، وبيتكلم بصعوبة بالغة:
