
سكتت لحظة لتستجمع قوتها، ثم واصلت بصوتٍ يرتجف
لا أملك إلا أن أقول لقد كان قدرًا. ولم يكن لنا ذنب فيه. لم نعلم. لم يخبرنا أحد. تزوجنا ونحن نجهل كل شيء. عشناه أجمل أيام حياتنا، ونحن نظن أننا زوجان تجمعهما المودة والرحمة. والآن والآن بعد أن علمنا لا بدّ لنا من اتخاذ القرار الصعب.
نظرت إلى ابني نظرةً أخيرة، نظرةً مليئة بالحب والألم والندم، ثم قالت بصوتٍ انكسـ,ـر في نهايته
يجب أن نفترق. لا بدّ من ذلك. لا يجوز أن نبقى معًا بعد الآن. هذا هو الحق الذي لا مفرّ منه.
صاح بها ابني فجأة، وكأن عودًا ثقابًا قد أشعل في صدره
لا! لن أفترق عنكِ! كيف أفترق عن روحي؟ عن شريكة حياتي؟ وأبونا أبونا لم يكن يعلم بوجودنا نحن الاثنين! ألم يكن من الممكن أن يكون زواجه من والدتكِ قد انتهى قبل أن يولد أيٌّ منّا؟ ألم يكن هناك طلاق؟ ألم يُفصل في هذا الأمر؟
الټفت إلينا يسأل بنظراتٍ يائسة، فأجبته حماتي بصوتٍ خافتٍ حزين
زواجهما انتهى بطلاق بعد عامين من زواجهما. ولم يُعرف مكانها بعد ذلك. ولم يعلم ابنكِ أنها أنجبتكِ منها.
وكذلك والدتكِ لم تخبركِ أبدًا عن حقيقة والدكِ لقد آثرت الصمت هي الأخرى، ربما لسببٍ مشابه.
قال ابني بلهفةٍ وكأنما وجد ضالته
إذًا إذًا نحن لم نعلم! لم يخبرنا أحد! ألا يُعتبر هذا عذرًا؟ ألا يبقى لنا ما يجمعنا؟ لدينا طفل هذا الطفل الذي نحبه أكثر من أنفسنا كيف نُفرّق بين أبويه؟ وكيف سيكون مصيره؟
هنا تكلّمتُ أنا بصوتٍ حاولتُ أن أكون فيه حكيمةً رغم ما يعتريني من ألمٍ وۏجع
يا بنيّ الحقّ يقول ما قالته زوجتكِ. الجهل قد يكون عذرًا في عدم الإثم لكنه لا يُغيّر الحقيقة. أنتما أخوان من أبٍ واحد.
وهذا القرار ليس بيدنا ولا بيد الظروف. هو حكم الله وحكم الشرع. ولا يجوز لنا أن نعصي أمره، مهما كان الثمن غاليًا.
بكت زوجته مرّة أخرى، وقالت
أنا أحبك والله ما أحببتُ أحدًا في حياتي قدركِ. ولو كان بيدي لبقيتُ بجانبكِ حتى آخر يوم في عمري. لكن لا نملك خيارًا آخر. يجب أن نفترق. وسوف أحتفظ بابني وسوف تزوره متى شئتِ وسوف نظل نعرف بعضنا لكن كأخوة ليس أكثر.
كلمة أخوة كانت كالسيف الذي قطع قلب ابني. تهاوى على الكرسي، وډفن وجهه بين كفيه، وبكى بكى كما لم يبكِ من قبل.
رجلٌ في رجولته، قويّ الطباع، صلب، لم نره يدمع قطّ إذا به ينهار كطفلٍ صغيرٍ فُقدت أمه. كان المشهد يُقطّع القلب، ونحن حوله لا نملك له نفعًا ولا نملك لأنفسنا صبرًا.
الفصل الرابع الافتراق ومرارة الأيام
تمّ الافتراق في هدوءٍ يُشبه العاصفة الصامتة. لم يُعلن أحد شيئًا للعائلة الكبرى، ولم يُخرج السرّ من بين جدران بيتنا. اتفقنا على أن يبقى الأمر محصورًا فينا نحن الأربعة، حفاظًا على سمعتنا وكرامة الطفل الصغير.
غادرت زوجته بيتنا، وأخذت طفلها معها إلى شقةٍ استأجرتها بعيدًا، تاركةً خلفها فراغًا لا يُملأ وحزنًا لا يزول.
وعدها ابني بأن يتحمّل جميع نفقاتها ونفقات الطفل، وسيكون بجانبها في كل وقتٍ تحتاجه فيه، وسيزور ابنه دائمًا دون انقطاع. ووعدته هي بأن تظل تحترمه وتُقدّره، وستبقى كأخته الصادقة المخلصة مدى الحياة.
لكن الكلام كان أسهل من الفعل بكثير. فكيف تتحول مشاعر الحبّ الزوجيّ العريق إلى مشاعر أخوية بين ليلةٍ وضحاها؟ وكيف ينظر كل منهما إلى الآخر بعد أن كانا أقرب الناس وأحبّهم إلى بعض؟
كان ابني يزور طفله كل يوم تقريبًا. وفي كل مرة كان يعود منها کسير الخاطر، شارد الذهن، لا يكاد يتكلم. ورأيته يتغير يهمل عمله، ويقلّ نومه، وتذبل ملامحه شيئًا فشيئًا.
وكذلك كانت حالها أخبارها تصلني عبر الخادمات والمعارف، تقول إنها لا تأكل إلا قليلًا، ولا تخرج من بيتها، وتقضي وقتها تنظر إلى طفلها وتدمع عيناها بصمتٍ رهيب.
أما حماتي فكانت تعيش في عذابٍ ضميريٍ لا يوصف. كلما رأت ابني أو حفيدها، انهمرت دموعها وندبت حظّها وقالت
ليتني مت قبل أن أكشف هذا السرّ ليتني دفـ,ـنته معي في قبري ما كان يجب أن أصمت كل هذا الوقت ما كان يجب أن أتأخر في التبليغ لقد دمّرتُ حياتهم بيديّ.
حاولتُ مواساتها وتذكيرها بأن ما حدث كان مقدّرًا ومكتوبًا، وأن الجهل كان سببًا رئيسيًا في كل ما جرى، لكنها لم تقتنع، وظلت تلوم نفسها في كل ساعةٍ وكل لحظة.
وبدأت العائلة تلاحظ التغيرات. سأل أخوات ابني لماذا تزوجت وترك زوجته؟ ولماذا لم يعد يزور جدته؟ ولماذا انقطع عن الاجتماعات العائلية؟ فكان جوابنا دائمًا أمورٌ خاصة. ولا نريد التوسع فيها. لكن الشكوك بدأت تتسلل إلى النفوس، والألسن بدأت تُطلع الإشارات والتلميحات، وكلٌّ يفسر الأمر على هواه.
قال أحدهم لعلّها أخطأت في شيء. وقال آخر لعلّه اكتشف منها شيئًا. وثالث قال ربما كانت حمات السبب كما كانت دائمًا.
وكثرت الأقاويل وتشعبت، وكلها بعيدة كل البعد عن الحقيقة المروعة التي نخفيها في صدورنا.
وفي وسط هذا العاصفة، كان الطفل الصغير يكبرويترعرع، لا يدرِ شيئًا من هذه الخلافات،

